علي رهيف الربيعي. فقد انكشفت بلاد العرب أمام الغزو التركي منذ بداية القرن الثالث الهجري فتولوا سلطة الدولة العباسية فيما تحول العرب إلى ثائرين خارجين على القانون أو أمراء في مدن منعزلة . فلما حصل الغزو الصليبي ١٠٩٨/ ١٢٩١ تقبل العرب أية سلطة قادرة على مواجهة الغزو ، مما مكن للمماليك الأتراك والشراكسة لمدة تقرب من ثلاثمائة سنة ، واجهوا خلالها الهجوم المغولي وتهديم هولاكو لبغداد عام ١٢٥٨ م ثم اجتياح تيمورلنك لبلاد الشام العام ١٤٠٠ م . غير أن قبيلة تركية احتلت لنفسها موقعا في الأناضول وانفصلت عن امبراطورية هولاكو برئاسة مقاتل يدعي عثمان . وظل أولاده يتوسعون في الأناضول حتى استطاع محمد الفاتح احتلال القسطنطينية العام ١٤٥٣ م وما وراءها من بلاد البلقان . وفي أعوام ١٥١٤ و ١٦ و ١٧ م تمكن حفيده السلطان سليم الأول من احتلال العراق والشام ومصر . على أن خلاصة هذه الحوادث ورد فعل الشعب العربي عليها هو أهم ما في الأمر . ففي مصر والشام والعراق لم يحارب السكان العرب العثمانيين ، وإنما اقتصر القتال بين الجيش العثماني والجيشين الصفوي والمملوكي . الملاحظة الثانية والأهم هي أن السلطان سليم الأول حين كان في القاهرة استقبل مبعوثين عربا من قبل شريف مكة قدموا له مفاتيح المدينة المقدسة ولقب حامي الحرمين الشريفين ، وقد كان هذا المشهد تكرارا لما حدث مع صلاح الدين الأيوبي بعد أن حرر القدس في العام ١١٨٧ م . كان عجز تلك الأنظمة عن الدفاع ضد الغزو الأجنبي وتجزؤها وفسادها الداخليان من أسباب انصراف شعوبها عنها وتعلقها بالعثمانيين . بعد أربعمائة سنة من هذا الالتحاق الطوعي اكتشف القوميون العرب أن السلطنة ليست عاجزة عن حمايتهم فقط ، وإنما كانت تجعل العرب وبلادهم رهائن بيدها تساوم عليها الغرب وتتنازل عنها بلدا إثر بلد للاستعمار الغربي ، مقابل موافقة الغرب على استمرار السلطنة في البقاء . فقد تنازلت السلطنة عن تونس والجزائر لفرنسا دون أن تتعكر العلاقات بين السلطنة وفرنسا . كذلك حدث بين السلطنة وبريطانيا بخصوص مصر وقبل ذاك احتلت بريطانيا الخليج العربي ورتبت أوضاعه دون اعتراض من العثمانيين ، وكانت ليبيا آخر ضحايا الوفاق العثماني – الأوربي العام ١٩١٠ م . لقد ظلت السلطنة أكثر من قرن تساوم وتسمسر مع فرنسا وبريطانيا على المصير العربي ، فما العجب في أن يتولى العرب مفاوضة فرنسا وبريطانيا على المصير التركي ؟ ألا يكونون بذلك قد حرروا أنفسهم من النير العثماني وصار في وسعهم أن يضمنوا مصيرهم من الدول العظمى الطامعة بهم عن طريق العثمانيين ؟ لقد ظل العرب العثمانيون ٱلى اليوم يتهمون القوميين العرب بالتآمر مع الغرب ضد السلطنة المسلمة ، في حين أن وقائع التاريخ تبين أن الواقع هو عكس ذلك تماما . فالعثمانيون هم الذين تلاعبوا بالمصير العربي وتآمروا عليه وقدموه قطعة قطعة وبلدا إثر بلد للاستعمار الأوربي مقابل قبول الغرب باستمرار السلطنة في حكم العرب أو ما تبقى منهم . ولم نسمع أي اتهام أو لوم لتلك السلطنة المتآمرة ، أفلا يشكل سلوك السلطنة المتخاذل طول القرن التاسع عشر تبريرا للعرب كي ينفكوا عنها ؟ على أن سلوك الأتراك بعد السلطنة أبلغ تعبيرا من مواقفهم ضد العرب خلال السلطنة . فلولا أن القومية والعلمانية والاستقلال أفكار ناضجة عند الطلائع التركية لما تمكن أتاتورك من إنشاء جمهورية تركية قومية علمانية ، في حين أن هذه الأفكار ما زالت إلى اليوم بعيدة عن التحقق في الوطن العربي بسبب عدم نضجها وعدم اجماع النخب العربية عليها . بل إن سلوك تركيا منذ ٱعلان الجمهورية إلى اليوم لا يدل على أن لديها مخزونا وديا تجاه العرب والإسلام . فقد تخلت عن الحروف العربية وانتسبت للحلف الأطلسي وتعاونت مع إسرائيل في الظروف الحرجة ، ولن نختم باحتلال الإسكندرون وتحويل مياه الفرات ودجلة لأن لها مطالب في الموصل ونفط كركوك وشمال سوريا . 2020/08/05