وليد المعلّم رسائل التطمين الصعبة والمواجهة الممكنة!
سامي كليب.
ما يزال نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السوري وليد المعلّم نجم المؤتمرات الصحافية بامتياز. لم يخبُ نجمه رغم محاولات البعيد وبعض القريب ابعاده عن دائرة الضوء. هو ليس من النوع الذي يجتر الكلام، وحين يحكي فإنما ليوجّه رسائل غالبا دولية باسم القيادة السورية، لكن الرسالة وحدها لا تكفي بلا سرعة بديهته ونكتته الحاضرة دائما حتى في أقسى الظروف، وغالبا ما تم تفسير ضحكته أيضا على أنها رسالة خصوصا حين تترافق مع تسخيف للشائعات او للعدو. ثم ان لهذا الدبلوماسي العريق الذي يشبه بجسده الممتلئ ودفاعه عن مواقف بلاده وسخريته وحزمه رئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرشل، ليس من أصحاب نظريات العداء الدائم أو الحلول العسكرية السرمدية، وانما يرى في الحروب وسيلة للتفاوض وليس غاية بذاتها، لذلك فهو أكثر من يخفف غلواء القائلين مثلا ان العصر الأميركي انتهى وان لا عودة للتفاوض مع واشنطن وان العلاقات يجب ان تُحصر بروسيا.
أقول هذا، لكي نفهم أكثر ان رسائله الواضحة أو المبطّنة في المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس، أعمق من أن نقرأها بسرعة. ففي كل مقطع من كلامه رسالة باتجاه.
-
الرسالة الأولى
-
تعلقت بقانون قيصر، ومفادها أن أميركا تريد من سوريا ان تطبع مع إسرائيل وتعقد صفقة معها وان تتخلى عن حلفائها خصوصا ايران وحزب الله وان تمرّر ضم الضفة الغربية استكمالا لصفقة القرن. هذا بالضبط الاقتراح الذي جاء به وزير الخارجية الأميركي كولن باول في العام ٢٠٠٣ الى الرئيس بشار الأسد أي في أوج الغطرسة الأميركية بعد احتلال العراق. حينها رفضه الأسد وبدأت مسيرة الضغوط.
-
الرسالة الثانية: حملت إنذارا مُبطّنا الى القوات الأميركية في سورية التي ساهمت في قصف مصادر النفط وأحرقت محاصيل زراعية، فمرّر الوزير المعلم عبارة :” المقاومة الشعبية” . هذا يطابق تماما ما قاله قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال كينيث ماكنزي، الذي توقّع ان “تقوم دمشق بمضايقة الاميركيين في المرحلة المقبلة في الشمال الشرقي لسوريا”. الاحتمال وارد جدا الآن خصوصا في فترة الضبابية الأميركية والصراع مع الصين ، لكنه لن يكون حتما باسم الجيش السوري.
-
الرسالة الثالثة:
-
الى كرد سوريا، الذي قال ان بعض مجموعاتهم “تتوهم” بان أميركا ستواصل دعمها لهم، معتبرا انه ” سيأتي يوم يصحون ولن يجدوا الأميركي ” الذي لا يهمه الا مصلحة إسرائيل”. لعلّ المعلم هنا يلمّح الى مسألتين، أولهما ان الاتفاق التركي الروسي لا يسمح للكرد بحرية كبيرة في المستقبل، وثانيهما، ان دونالد ترامب نفسه قال وفق ما نقل عنه مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون في كتابه-الفضيحة، انه لا يحب الكرد وانهم هربوا في العراق وسوريا وانهم لا يقاتلون سوى بدعم الطائرات الأميركية. ومن يستمع اليوم الى سوريين من المؤدين للكرد يفهم ان ثمة نقمة عليهم خصوصا بسبب اتهامهم بالتضييق على لقمة عيش السوريين بسبب سيطرتهم على أراض زراعية ونفطية شاسعة، ما يوحي بأن العمل العسكري ضدهم سيكون الخيار الأخير حين تنعدم خيارات التفاوض.
-
الرسالة الرابعة
-
كانت باتجاه الحليفين الروسي والإيراني، فالوزير المعلم أكمل ما قاله المبعوث الشخصي للرئيس بوتين في دمشق وكذلك كبار المسؤولين الإيرانيين بأن هذا التحالف صامد وان كل ما قيل عكس ذلك هي سخافات وان البلدين سيساعدان سوريا على الخروج من أزمتها، فالمبعوث الروسي وصف قبل أيام قانون قيصر بأنه ” إرهاب ” اقتصادي.
-
الرسالة الخامسة،
-
كانت باتجاه دول الخليج ودول عربية اخرى، مع التنويه الخاص بالإمارات العربية التي اعادت فتح سفارتها والتي تقول معلومات اكيدة ان اميركا ترفع مستوى الضغوط عليها حاليا ، كما كانت إشارات الى ” جرأة الأردن” وتحالف المصير والدم مع العراق، أما حيال لبنان فكان نقد ولوم واضحين، حيث حمّل الحكومة اللبنانية ( كي لا يحمل غيرها) مسؤولية عدم التعاون معتبرا ان التنسيق بحاجة الى طرفين. ولعل كلام المعلم عن الوقوف الى جانب مصر ضد تركيا في ليبيا له رمزيته الخاصة في الوقت الراهن، سيما وان كثيرين يقولون ان دمشق التي خبرت الحرب ٩ سنوات، تستطيع لو ساندها العرب ان تلعب دورا أكبر في مواجهة تركيا رغم التحالف مع روسيا.
كذلك فان تشجيع الامارات كان مهما الآن خصوصا وسط كلام عن استعدادات سعودية للانفتاح على دمشق لم يوقفها سوى الضغط الأميركي وكذلك رغبة الرياض بسماع كلام من القيادة السورية حول رزنامة خروج ايران وحزب الله من الأراضي السورية .
-
الرسالة السادسة
-
باعتقادي هي للأميركي والروسي على حد سواء، فهي تتجاوب مع المطالب الروسية من القيادة السورية حيال التفاوض السياسي مع المعارضة واللجنة الدستورية. قال وليد المعلم صراحة ان سورية” ملتزمة بالمسار السياسي ” وأيضا بعمل لجنة مناقشة الدستور لكن دون تدخل خارجي أميركي رافضا ما تريده واشنطن من دستور ” على قياسها وقياس إسرائيل”.
ظاهر هذا الكلام يوحي طبعا بتشدد سورية ضد اميركا، ويناسب تماما التحذير من ” المقاومة الشعبية” القادمة، لكن الأكيد ان فيه تجاوبا مع المطلب الأميركي الأهم لتسهيل عمل روسيا، وهو العودة الى المفاوضات السياسية والاتفاق على اللجنة الدستورية. فقانون قيصر نفسه يسمح للرئيس الأميركي برفع عقوبات قيصر اذا ما صدر عن المفاوضات ما هو إيجابي او مجرد وعد بان الأمور تتجه صوب الإيجابية .
-
اما الرسالة السابعة والأخيرة،
-
فتتعلق برأس النظام السوري أي الرئيس بشار الأسد، فما قاله الوزير المعلم، يتقدم على كل ما قيل سابقا، ويؤكد بوضوح تام أن الأسد سيبقى رئيسا لسورية ” طالما الشعب السوري يريده أن يبقى”. هذه أيضا رسالة للجميع أعداء وأصدقاء واشقاء وحلفاء، تنفي كل ما يقال عن احتمال عدم ترشح الأسد الى الرئاسة أو عن ضغوط روسية عليه للتنازل عن السلطة او الصلاحيات.