جبابرة…!
أبو علاء منصور.
حين تعرّفتُ إلى نسيم عبد الجليل (أبي العز) في معسكر الدامور عام 1978 كان شابًا يافعًا. شعرٌ أسود كثيف، روح متوثبة، وعينان متفرّستان. أمّا عندما التقيته في عمّان بعد أكثر من عقدين وقد خرج من سجون الاحتلال في صفقة لتبادل الأسرى، كان الشيب قد غزا رأسه. ازدان وجهه بابتسامة عريضة وهو يستعرض ذكرياته عن “دورية تياسير” التي قادها للداخل عام 1982 برفقة جمال دراغمة ومروان زلوم: “بعد عامين من تأخر عبور دوريتنا للداخل، استطلعتُ وأبو سليم الحدود، وشاركنا علي أبو طوق ذلك. أخفقنا في العبور، فعُدتُ إلى قاعدتي في قلعة الشقيف في جنوب لبنان. أشهر وعُدتُ إلى الأردن ثانية. استطلعتُ الحدود برفقة جمال دراغمة ومروان زلوم ثمّ عبرنا النهر، فيما زرع اثنان من رفاقنا ألغامًا على الحدود؛ لإيهام العدو أنّ المهمة تقتصر على زراعة ألغام. أردنا تضليلهم، توجيه أنظارهم شرقًا. قطعنا شارع الغور الغربي الرئيس وصعدنا التلال، اختفينا في مغارة. بعد مغيب شمس اليوم التالي وصلنا إلى حرج بالقرب من قرية تياسير. كنّا نشاهد الجنود وهم يُمشطون الحرج، اقتربوا كثيرًا منّا. فجأة صاح مروان: ’الله اكبر’ وألقى قنبلة. فتحنا النار على الجنود، اختفى صوت مروان وظلّ جمال يئن، جُرحنا ثلاثتنا ووقعنا في الأسر”.
أضاف أبو العز عن مأساة وضعه بعد تحرّره من السجن: “بتدخّل من السفير الفلسطيني في عمّان حصلتُ على رخصة قيادة أردنية، صحيح أنّها لعام واحد، لكنّني الآن أجوب البلاد باطمئنان، وأقدّم أوراقي للشرطة بثقة. أكثر ما كنتُ أخشاه قبل ذلك، أن أُعتقل بتهمة التزوير، فعلى مدى عشرة أعوام بقيتُ أقود السيارة مستخدمًا رخصة شقيقي الذي يُشبهني شكلًا، كان ذلك بعدما سُحبت جنسيتي الأردنية. كنتُ أموتُ خوفًا حين أمُرّ بحاجز للشرطة”.
وأنا أستمع لأبي العز، أخذني شريط الذكريات لمشوار قادني فيه أحمد دبك من قريته تياسير إلى الأغوار عِبرَ وادي المالح ذي الينابيع الساخنة. كانت هذه طرق فدائيينا، من هنا عبرت دوريات كثيرة. كان الدبك يقصُّ وأنا أنصتُ متخيّلًا فظاعة الأهوال التي واجهها المناضلون. نهر، عتمة وخوف، رصاص وحقول ألغام. قطعوا عشرات الكيلومترات مشيًا على الأقدام، تُثقل ظهورهم أحمال السلاح والعتاد، في أوضاع أمنية وشتوية بالغة القسوة والخطورة. إنّهم جبابرة.
أبو سليم، خالد الديك، هارون غنيم، محارب إلياس، صالح الديك، أحمد دبك، نافذ دراغمة، حسين الحلبي، بدر، النمرود، أحمد المغربي، ماهر التميمي (أبو فؤاد)، ويوسف نصّار. هؤلاء نخبة أبطال لجنة 77 في تهريب السلاح والدوريات العسكرية إلى الداخل. الإيمان قوتهم، العتمة رداؤهم، وهم مستنفرون دائمًا. إنّهم في اشتباك دائم مع المجهول. حياة محفوفة بالموت والاعتقال وقسوة الطبيعة. بلا رُتب ولا رواتب. أُعطي بعضهم مراتب تنظيمية غير قابلة للترقية، تتجمد حيث تبدأ. كانت حُجة مسؤول التنظيم والإدارة: “هؤلاء ليسوا عسكريين”. ما العسكرية إن لم يكن هؤلاء في قلبها؟ إن شكوت الظلم يردّ باستخفاف: “هل تقيسون أنفسكم بأبي الجماجم؟!” تخرس لأنّك ترفض المقارنة أساسًا. أبو الجماجم الذي فاز بالرتب ربما لم يسهر ليلة على الحدود، أمّا عدنان جابر الذي قاد “دورية الدبويا” إلى الأرض المحتلة وهو برتبة ملازم أول في قوات العاصفة، بدل مكافأته بترفيع اسثنائي جُمّدت رتبته! الأمر ذاته ينطبق على محمود أبو دنهش الذي قيل إنّ وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان أدّى له التحية في المعركة التي فقد فيها الفدائي بصره. في ذلك الاشتباك قتل أبو دنهش ضابطًا إسرائيليًا برتبة كولونيل وثلاثة جنود.
محارب إلياس الذي فقد ساقه وهو يقود دورية عسكرية، والشيخ صالح الذي فقد ساقه كذلك في دورية ثانية، ظلا يتقاضيان راتب نقيب متضرر حتى عام 2010، إلى أن تمكّنا بعلاقاتهما الشخصية من الحصول على رتبة عقيد متقاعد، وهما يستحقان ذلك وأكثر. أمّا هارون الأقدم منهما في “فتح”، فلم يُنصفه “النظام” ولم يجد “واسطة” تُنجيه من الظلم، تقاعد برتبة رائد. هذه مُجرد أمثلة بسيطة على ما حاق بالمناضلين من مظالم. سيكتب التاريخ لهارون أنّه بطل، أنّ ابنه علاء حُكم بالمؤبد في انتفاضة الأقصى، وأنّ ولده مصطفى حُكم بخمسة عشر عامًا. لم يَحُل الظلم الذي لحق بالوالد بين الأبناء والمقاومة. ورث الأبناء الثورة لا الشعور بالظلم.
يوسف نصّار الذي يسكن مدينة إربد، يعرفه جيرانه وأصدقاؤه ومن يعمل معهم في ورشات البناء كإنسان بسيط، صادق وحسن العشرة، الكهربجي أبا محمد، أمّا أبا نصّار المقاتل، هذا لا يعرفه سوى من رافقوه في التسلل وعبور النهر، هؤلاء وحدهم يعرفون أبا نصّار الفدائي. الجميع يعرف فؤاد السروجي كمهندس زراعي ثري، أما عماد “الاسم الحركي له”، الذي استأجر المزارع في الغور بهدف إدخال الدوريات، وأنزل دوريات الدبويا، خالد الديك، والتياسير وغيرها، هذا لا يعرفه سوى رفاقه. هل سيخطر ببال أحد أنّ تأخره عن احتفال زفافه جاء لكونه عائدًا بدورية من الغور؟ أنّه نفسه الذي شغّل أكثر من عشرة مناضلين في مشاريعه يوم توقفت رواتب منظمة التحرير الفلسطينية؟ هذا لا يعرفه سوى القلة عن أبي إلياس الذي تبرّع بمخصصه الشهري للطالب في المعهد يوسف عثمان من قرية صفا، ذاك الشاب الصامت الذي جاء من الأرض المحتلة عام 1975 حاملًا رسالة من ابن خالته يوسف فضل، يومها كان طالبًا في المرحلة الثانوية. كذا الأمر بالنسبة للنمرود، إنّه مجرد مزارع بسيط في نظر عموم الناس، أمّا الفدائي “النمرود”، الذي يعبر النهر بالفدائيين، هذا لا يعرفه سوى رفاقه المعنيين.
لقد آن أوان إماطة اللثام عن صُنّاع التجربة الحقيقيين. أولئك الأبطال الذين منعنا الحرص الأمني عليهم من تسجيل أسمائهم في السجلات الرسمية. بعضهم سجلناهم بأسماء حركية، لكنّ هذه لم يُعترف بها حين أفل نجم الثورة. في هذه المرحلة وجد المناضلون أنفسهم بلا حقوق ودون تاريخ يُوثّق بطولاتهم. لم يتطلّع هؤلاء يومًا لمكتسبات شخصية، لكنّ تقدّم العمر ومسؤوليات الأبناء تكسر الظهور. ما زاد ألمهم أنّ حلم التحرير لم يتحقق، وأنّ غيرهم فازوا “بالغنائم”.
مع تحيات أبو علاء منصور
24\6\2020
من كتابي (رحلة لم تكتمل)