الجزائر: مصيرنا الذي تركنا له… ومتى كان الصنم هو الوطن؟
محمد علي القاسمي الحسني.
يبدو أن الذي يعمل لدى النظم العربية يتحول تلقائيا إلى مدافع عنها وهو بذلك يظن انه يدافع عن بلاده .
وهو في الحقيقة يدافع عن المؤسسة التي تمنحه بضعة دنانير ليعيش فيقوم بالتغول و السطوة على مقدرات البلد .
و هذا هو واقع الحال من مراكش حتى البحرين و لعل عودة إلى معدلات الفساد المسجلة في الدول العربية خير دليل . ففي الجزائر مثلا ظهرت فئة من الكتاب اللذين يعيشون في أحياء العاصمة الراقية و ينالون أجرا لا يقل عن العشرين مليون دينار و يقومون بطمئنة الشعب بأن الحكومة تقوم بعملها كما يجب و الوضع في البلاد ممتاز دون نسيان تمجيد الحراك الشعبي لإرضاء القارئ المغلوب على عقله . و لعل هؤلاء قد تسببوا في إحداث شرخ داخل المجتمع الجزائري ذلك ان أبسط عامل جزائري يمكنه معرفة الوضع الصعب الذي تعيشه البلاد و في المقابل تطل شلة تعيش حياة سعيدة لتمنح أفكارا لا علاقة لها بواقع واحد من أفقر الشعوب العربية .
يقال بأن صحة البناء من جودة قاعدته السفلى . وواقع الحال في الجزائر هو ان القاعدة التي بنيت عليها البلاد قامت على أساس انقلاب عسكري قام به الهواري بومدين تبعه الخيار الإشتراكي الخاطئ ثم بعد ذلك مجموعة الأزمات الاقتصادية والأمنية التي دخلتها البلاد و إلى غاية اليوم لازال الاعتماد التام على المحروقات كمورد دخل أساسي . رغم أن المغرب الشقيق الذي جابهه بومدين في صراع هامشي لا يقوم على أسس براغماتية طور اقتصاده بشكل رهيب . و لعل بعض المقارنات بين وطني و المغرب تكشف بأن الوضع في الجزائر ليس ممتازا كما يدع البعض بل الوطن على حافة أزمة اقتصادية خانقة .
بلغ عدد السياح اللذين دخلوا المغرب سنة 2019 . ثلاثة عشر مليون سائح أدخلوا معهم آلاف الدولارات و شغلوا قطاع الخدمات و النقل و السلع بشكل رهيب فضلا عن العاطلين اللذين انخفضت نسبتهم إلى 9.20% بالمقابل ان عدد السياح الأجانب بالنسبة للجزائر هو 2100 مع نسبة بطالة تقدر ب 11.40% مع ما ينجر عنها من تعطل قطاع الخدمات و ضعف البنوك و تهميش قطاع المواصلات مع خسارة آلاف الدولارات لسبب بسيط هو ضعف الترويج السياحي و غياب شبكة المواصلات الداخلية و الخارجية كذلك اذ يقدر عدد الوجهات الدولية لشركة الخطوط الجوية الجزائرية ب 25 وجهة منها الكثير متوقفة في مقابل أن الخطوط الملكية المغربية تسافر إلى 92 وجهة حول العالم و للسياحة دور كبير في الاقتصاد الوطني و إخراجه من تبعية المحروقات نحو بدائل أفضل لم تستطع الجزائر التوجه لها بسبب العراقيل البيروقراطية و الفساد الإداري و عدم مواكبة القوانين للواقع المعاش . فقانون تسيير الولاية (المحافظة) مثلا تم إصداره سنة 1971 و لم يتغير فضلا عن ترسانة قوانين تعيق الاستثمار الأجنبي الندر للعملة الصعبة و المحتو للبطالة و الفقر . فالمغرب مثلا تشتغل داخل أراضيه 66 شركة أجنبية بعدد مشاريع بلغ 71 يشتغل بها 15351 عاملا . في مقابل أن الجزائر بها 17 شركة فقط ب 18 مشروعا أهمها مشروع الترامواي و ميترو العاصمة و دليل فساد قطاع الاستثمار في الجزائر هو ان عدد العمال المصرح بهم هو 10349 ولا أعتقد بأن المشاريع التي نلمحها كجزائريين تشغل هذا العدد بل ان تضخيم العدد حاله من حال الشركات الجزائرية مثل الخطوط الجوية الجزائرية التي تشغل 11850 عاملا رغم قلة وجهاتها في مقابل أن الملكية المغربية تشغل 2900 عاملا فقط على الرغم من كثرة الوجهات و وفرة السياح . و هذا الخلل الذي أدى إلى استحداث مصطلح البطالة المقننة في الجزائر أي الأفراد اللذين يتقاضون أجرا دون القيام بأي عمل و هو المتسبب بشكل كبير في ارتفاع مؤشر الفساد في الجزائر إلى 35 نقطة بترتيب 106 عالميا في مقابل أن المغرب لديها 41 نقطة مصنفة في المرتبة 80 . و لعل الدليل القاطع على ان الفارق بين الجزائر و المغرب شاسع في المجال الاقتصادي هو قيمة المداخيل السنوية التي بلغت 180 دولار سنويا في الجزائر برغم كونها دولة ريعية في مقابل أن المغرب الذي يعتمد على السياحة و الخدمات و الفلاحة يجني 118 مليار دولار إلى جانب الكم الهائل من الاستثمارات الأجنبية التي جعلت نسبة الفقر تنخفض إلى 4.3% في مقابل ارتفاعها بالجزائر إلى 10.5% . و لعل هذه الأرقام تفرض على الحكومة الجزائرية و من يدافع عنها بإعادة النظر في المبادئ و الأسس التي تنتهجها في المجال الاقتصادي لضمان عدم الوقوع في أزمة اقتصادية خانقة لن تكون نتيجتها مثل تعامل الشعب مع الجانب السياسي كما فعل حين بدأ الحراك بطريقة سلمية و لعل أحداث الزيت و السكر سنة 2011 هي خير مثال لما يمكن ان يفعله الفرد حين يمس أمنه الاقتصادي .
المؤسف في الجزائر هو ان الكثيرين يدافعون عن بومدين و هم في هذا يختزلون عظمة الجزائر في شخص واحد و كأن الملايين التي راحت ضحية سياساته و النخبة المثقفة و المالية و السياسية التي هجرها و فرض عليها الإقامة الجبرية لم تكن شيئا يذكر بالنسبة لهؤلاء الذين كانوا بيادق في يد شخص منع الجزائر من الوصول إلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي اتفق عليها قادة الثورة فوصلت البلاد إلى حالة الانحطاط السياسي و الركود الاقتصادي اليوم بسبب قاعدة خاطئة بنيت عليها دولة ما بعد الاستقلال .
المضحك المبكي في الجزائر هو ان أزلام النظام السابق لازالوا يتحدثون عن بطولاتهم و انجازاتهم الوهمية بكل فخر رغم ان دراسة مقارنة للاقتصاد الذي يعد عصب الدول بين الجزائر و المغرب ستبين فشل سياسات الحكومات المتعاقبة على حكم الجزائر . لا لشيء إلا لغياب المخطط الشامل و البرنامج الفاعل و الرغبة الحقيقية في تطوير البلد . لهذا من الطبيعي ان تقف الدول الكبرى و الإفريقية إلى جانب المغرب في قضية صراعه حول الصحراء . ذلك ان الاقتصاد هو محرك العلاقات الدولية و ليس الخطابات الرنانة و الذهنية الرجعية . هذا ما تم الوعي به في المغرب ولازالت الجزائر بعيدة عنه رغم الصدمات المتتالية
2020-03-06