تطوّرت الأحداث في سورية في الفترة الأخيرة بشكل متسارع، فأحدثت بعض المتغيّرات في الجغرافية العسكرية، وذلك بعد احتلال "داعش" لتدمر، وإحكام سيطرتها على أغلب المنافذ الحدودية بين العراق وسورية، وسيطرة "جبهة النصرة" على معظم محافظة إدلب والتقدم باتجاه الحسكة، والتي قابلتها سيطرة شبه كاملة للجيش السوري وحزب الله على جرود القلمون وجزء من جرود عرسال.
انسحب الجيش السوري من تدمر، ودخلتها "داعش" دون أية مقاومة تُذكر، وفسّر البعض هذا الانسحاب بأسباب مختلفة، وبدأ الضخ الإعلامي بأن الجيش السوري أصبح عاجزاً عن مواجهة التكفيريين في أغلب المحافظات، وتحديداً في الشرق السوري وشماله، كما بدأ الترويج لأن ما حصل مقدمة لانهيار في جبهة الجيش السوري يمكّن المسلحين من الفوز، وهي ادعاءات إعلامية لا تؤيدها الوقائع، فما حصل في تدمر واحدة من المعارك القائمة.
من الواضح أن هذه الحرب ضد سورية هي حرب كونية اجتمع حولها غالبية دول الاستكبار العالمي، ومعها دول الخليج العربي، التي أعطت لنفسها فرصة أشهر عدة لإسقاط النظام، ولكن هذه الحرب دخلت عامها الخامس والنظام في سورية لم يسقط.
من الطبيعي أن يُستنزف الجيش السوري في هذه الحرب الطويلة، لأنه لم يكن مهيأً لهذا النوع من الحروب التي قامت على التكفيير والتعبئة المذهبية، وإيهام العالم الإسلامي بأن "النظام العلوي" ومعه إيران وحزب الله يقاتلون السُّنة، وقلب الحقيقة التي تشير إلى أن التكفيرين هم القتلة، بل يمارسون القتل بأبشع الصور، وبطريقة لا إنسانية، مع السُّنة والشيعة وكل من لا يعلن الولاء لهم.
توسع "داعش" في سيطرته على الشرق السوري والحسكة، و"جبهة النصرة" في شماله في حلب وإدلب، لا يرجّحان غلبة فريق، ذلك أن النظام ممسك في المدن الرئيسة حيث الكثافة السكانية، وله دفاعات أساسية في تلك المناطق، إضافة إلى أنه يحاول تحسين موقعه في بعض مناطق سيطرة المسلحين، لذا تُعتبر هذه التطورات جزءاً من تحسين الموقع التفاوضي لكل منهما، إذا حان وقت التسوية.
إن تخلي النظام عن بعض المناطق من دون مواجهة، كما حدث في تدمر، مرتبط بقدرة وظروف الجيش الذي يعطي الأولوية للمناطق الآهلة بالسكان، والتي لها أهمية عسكرية وسياسية.
قد لا يستطيع الجيش السوري وحده أن يقضي على التكفيريين المدعومين من الدول الغربية والدول العربية وتركيا التي فتحت حدودها للآلاف منهم، وهي التي تريد السيطرة على الشمال السوري ليكون لها دور أساس في ملف الأزمة السورية، والمساهمة في إسقاط النظام، ومع ذلك فقد صمد الجيش السوري بشكل كبير، وواجههم، وما يزال يحافظ على مناطق هامة في تلك البقعة الجرافية الحساسة.
أصبح واضحاً أن الظروف الميدانية والسياسية في المنطقة لم تنضج بعد لطلائع حل سياسي في سورية، وأن القتال الدائر هو لتحسين المواقع في مرحلة الاستنزاف، من دون أن تكون هناك مفاجآت هامة، كما يسعى كل طرف لتحسين وضعه الميداني بضخ إمكانات إضافية وأعداد بشرية متزايدة، وهذا الأمر سيطول لفترة من الزمن، ويبدو بالحد الأدنى أنه مرتبط بتطورات الحل في العراق.