تكمن مشكلة العقل الخليجي في ارتكازه على المال ومنظومة بيع النفط وشراء الذمم والأقلام والحكومات والأحزاب والمشايخ، وبعد غرقه في المستنقع اليمني حاول الملك سلمان من خلال العدوان حجز مقعد في مرتبة الدول الإقليمية القوية، حيث خاض تجربة توأمة المال والقوة العسكرية، عبر شراء الجنود المصريين والباكستانيين، لكنه أخفق في ذلك، وبقي وحيداً معلَّقاً في الفضاء يقصف عن بُعد النساء والأطفال والموروث الحضاري اليمني، ولا يجرؤ على النزول إلى البر، بل لم يصمد داخل الحدود المؤقتة مع اليمن، وهرب جنوده من مواقعهم عند الحدود السعودية – اليمنية المحتلة عبر اتفاقية الطائف التي نكلها السعوديون.
يتجرّع الملك سلمان كأس الذهاب إلى روسيا؛ وريث الاتحاد السوفياتي الذي قاتله السعوديون والأميركيون عبر "القاعدة" و"الأفغان العرب".. يذهب خادم الحرمين الشريفين إلى الساحة الحمراء التي وُلدت منها الشيوعية التي حاربها السعوديون سياسياً بقرار أميركي، والدليل أنه ذاهب للقاء الرئيس بوتين (ممثّل الكي جي بي) في ألمانيا أيام الاتحاد السوفياتي.
يزور الملك سلمان روسيا وفق ما تسرب من أنباء هذا الشهر، وأرسل قبل ذلك الرئيس سعد الحريري لجسّ نبض الروس، وعندما وصل التنازل الروسي إلى لقاء الرئيس بوتين للحريري، بصفته رئيس وزراء سابق ورئيساً لحزب لبناني، أكمل السعوديون رحلتهم وتهيأ الملك سلمان للحج السياسي إلى روسيا للأهداف الآتية:
1– يظن الملك سلمان أن باستطاعته تهديد الأميركيين بالتخلي عن تحالفه الأساسي معهم وبناء التحالفات مع فرنسا وروسيا، أو من تشاء السعودية أن ترتبط معه، وهذه سذاجة سعودية يستغلها الأميركيون للضغط على الروس بـ"الإغراءات" وإيهامهم بإمكانية بناء علاقات وطيدة مع أتباع أميركا في المنطقة، وبالتالي فإن الزيارة من هذا الباب فاشلة وسطحية.
2- يراهن السعوديون على تجربتهم مع روسيا أثناء غزو صدام للكويت؛ عندما رشوا الروس بأربعة مليارات دولار (ملياران نقداً، وملياران لشراء معدات لصناعة النفط الروسية) وفق ما كشفه رئيس المصرف المركزي الروسي في محكمة روسيا اليوم (RT) السيد غيراتشينكو، بقرار من الرئيس غورباتشوف، وذلك مقابل تخلي الروس عن دعمهم لصدام حسين، وتركه وحيداً أمام أميركا والتحالف الدولي، وهذا ما حصل فعلاً.
3- لقد نجح السعوديون بإغراء الروس برفع أسعار النفط قليلاً، مقابل تصويت روسيا على القرار 2116 تحت الفصل السابع ضد "أنصار الله" وعلي عبد الله صالح والجيش اليمني، ولم يتركوا للروس قليلاً من ماء الوجه الإنساني، فرفضوا اقتراحهم بهدنة إنسانية لإيصال المساعدات الغذائية والطبية للشعب اليمني المحاصَر.
4- لقد خدعت أميركا والغرب الروسَ في ليبيا، فأخرجوهم من القارة الأفريقية، ويحاولون إبقاء بعض التواجد في الجزائر، لكن لا ضمانات في الأفق، فأحداث العشرية السوداء في التسعينات ما زالت تحت الرماد، وقد تشتعل الجزائر بنار التكفيريين مرة أخرى.
5- يحاول السعوديون بتخطيط أميركي مقايضة روسيا مباشرة لفض تحالفها مع إيران، وبالتالي وتفكيك القوة الموحّدة، ومحاولة التفاوض مع روسيا لحفظ مصالحها في سورية واليمن ومصر وغيرها، عبر البوابة السعودية وليس عبر البوابة الإيرانية، للوصول إلى موقف روسي يتخلى عن الرئيس الأسد والنظام في سورية، ويتخلى عن "أنصار الله" في اليمن، ويمتنع عن تزويد الحكومة العراقية بالسلاح، مقابل رفع الحصار عن روسيا، ورفع أسعار النفط، وفتح الخليج للاستثمارات الروسية، والعكس بالعكس.
هذا ما يفكّر فيه الملك سلمان بتشجيع أميركي، فإذا ربحت السعودية كان الربح في الجيب الأميركي، وإن فشلت السعودية خسرت لوحدها.. لكن هل ينجح الملك سلمان ويشتري الموقف الروسي؟ وهل تتصرف روسيا كقوة عظمى أم كدولة من دول العالم الثالث الذي يشترى بالمال والمكرمات؟
ما هو دور اللوبي اليهودي – الروسي الذي يساعد السعوديين في مسعاهم وفق التحالف العلني بين "إسرائيل" والسعودية؟
هل سقط الروس بتجارة "الشنطة السياسية" مرة ثانية بعد ما سقطوا فيها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟
ما الذي يضمن للروس عدم نقل الجماعات التكفيرية إلى روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة؛ كما حصل إبان أحداث الشيشان وجورجيا، وكما يجري في جزيرة القرم وشرق أوكرانيا؟
لقد عاد الروس إلى المشهد السياسي الدولي نتيجة صمود إيران وسورية والمقاومة في لبنان والعراق، ولم يدفع الروس شيئاً، وها هي سورية تدفع الثمن نيابة عن محور المقاومة وروسيا.. فهل يخطئ الروس في مواقفهم، أم يحموا أنفسهم بالبقاء مع حلف المقاومة الذي لن ينهزم بإذن الله؟ إذا تخلى الروس عن حلفائهم، فهم الأكثر خسارة، وستقسَّم روسيا كما قُسِّم الاتحاد السوفياتي سابقاً.
أعتقد أن المحاولة السعودية فاشلة وساذجة، فروسيا تملك من المليارات أكثر مما تملك السعودية، ولن نناقش القوى والإمكانيات العسكرية، والظاهر أن عدوى التضخم الخادع والوهمي انتقل من قطر الغازية إلى السعودية.. وسيذوب الزبد وتبقى الجبال.