التظاهرات في العراق.. أين ألخلل؟
د. جواد الهنداوي.
حداث ومسار العقديّن المنصرمين من الزمن، والتي عاشها وعاناها العراق تُتيح لنا استنتاج حقائق دروس:
بعد احتلال العراق عَرفنا القاعدة وتنظيم الزرقاوي، وبعد تظاهرات الموصل، عانيّنا تنظيم داعش و بقيادة المقبور البغدادي و احتلال الموصل.
تظاهرات اليوم تشكّل مرحلة مهمة و مفصلية في مسار النظام السياسي، مطالب مشروعة ولكن اعمال قتل ونهب وسلب وتصفية حسابات، وجميعها اعمال اجرامية ومُدانة، وتقود البلد الى فتنة ينتظرها و يستعجلها المتربصون .
لتكن تظاهرات اليوم مناسبة مواتيّة لتصحيح المسار، بدلاً مِنْ ان تكون مناسبة يوظفّها أعداء العراق والمتربصين لخراب المجتمع والدولة .
لا أحدَ ينكر حقيقة التدخل الخارجي في شؤون العراق، وهذا التدخل ينشط ُ ويصبحُ فاعل ومؤثر عندما تحّلُ فوضى و اعمال قتل ونهب تواكب التظاهرات، وعجبي لمن يستبعدُ التدخل والتوظيف السيئ للتظاهرات .
الحل ليس في تغيير النظام السياسي وإنما في اصلاحه، الحلْ ليس في استقالة الحكومة و إنما في تسيير الأعمال واستمرار عمل القائد العام للقوات المسلحة، وترك مصير الحكومة لتقدير مجلس النواب .
الحل ليس في ألغاء الدستور او الاستمرار بتطبيقه وإنما بتعديله، كي ينتج نظاماً سياسياً قادراً على بناء البلاد و القضاء على الفساد .
أين الخلل؟
الخلل هو ان تكون جميع السلطات السياسية بيد مجلس النوا، وهو عبارة عن مجلس احزاب ؛احزاب تتنافس على السلطة و عينها على المكتسبات وليس على الإنجازات .هذا هو شأن الأحزاب في كل دول العالم، فما بالُكَ في العراق ؛ دولة عاشت لعقود في دكتاتورية و حروب وحصار واحتلال وارهاب، وفوق هذا وذاك دون تجربة سياسية ديمقراطية! ومما يُزيد الأمر سوءاً باننا دون مجلس اتحاد، اي نعمل بنظام “نصف برلمان”، اي سلطة كاملة لمجلس النواب وهو كما ذكرت مجلس احزاب، اي النائب، غالباً ما يمثلُ ” للأسف ” حزبه اكثر مما يمثلُ إرادة الناخب او الشعب .
النائب يصوّت على هذا او ذاك المشروع، وفق توجيهات الحزب وليس وفق مصلحة الدولة او الشعب.
دستورنا الحالي يفتقر الى مبدأ التوازن بين السلطات، توازن بين سلطة مجلس النواب و السلطة التنفيذية .
كُلّ السلطات السياسية يحتكرها مجلس النواب، هو الذي يمنح الثقة للحكومة وهو الذي يقيل الوزير.
قرارات مجلس النواب اليوم والمتعلقة بحل مجالس المحافظات و إلغاء الامتيازات و الأخرى خير دليل على ان امر الإصلاح و التغير منوط ليس برئاسة الوزراء و إنما بمجلس النواب، امر القضاء على الفساد منوط بجميع السلطات (النواب، ورئاسة الوزراء، والقضاء) ، وخاصة القضاء المسؤول الأول ، ومن خلال المدعي العام، على رصد المخالفات القانونية و الادعاء ضدها أمام القضاء .
يعاني الدستور من نواقص عديدة، لم تغبْ عنّا، عند كتابة وصياغة الدستور، تم تشخيصها والإفصاح عنها، والجميع، ممن ساهموا في كتابة وصياغة الدستور يشهد بذلك ويعلم بها لكن، وحسبما قالوا “هذا ما يمكن الاتفاق عليه ونخشى النظام الرئاسي من عودة الدكتاتورية “.
ليس لدينا نظام برلماني وإنما نظام مجلس نواب، ليس لدينا نظام برلماني، لأن النظام البرلماني يسمح لرئيس الوزراء بحل البرلمان ويعطيه صلاحيات، ليس لدينا نظام برلماني لغياب مجلس آخر مع مجلس النواب.
لدينا نظام مجلس نواب وهو مجلس احزاب ويحتكر الصلاحيات.
ليس لدينا ديمقراطية شعبية وإنما ديمقراطية مجلسيّة (نسبة الى مجلس النواب)، من يختار الجمهورية ليس الشعب وإنما مجلس النواب من يختار الوزراء ليس الشعب وإنما مجلس النواب.
الدستور كان ضحيّة القدر حيث تحمّل وزر المكون الشيعي الذي جاء وهو خائف من الماضي ويحلمُ في المستقبل.
الدستور حملَ وزر المكون السني الذي جاءه الذي يحّنُ للماضي وخائف من المستقبل.
الدستور حملَ وزر المكون الكردي الذي جاءه وهو خائف من الماضي وخائف أيضاً من المستقبل.
هكذا كانت ولاّدة الدستور، ولاّدة صعبة وعسيرة يستحق الاحترام لما يتضمنه من حقوق وحريات ويستحق التعديل كي يكون قادراً على بناء دولة.
سفير عراقي سابق
المركز العربي الأوربي للسياسات وتعزيز القدرات
2019-10-31