أيام سورية الكبرى!
نبيه البرجي.
ألم يقل دنيس روس للملك عبدالله الثاني «لا مكان لأي نظام في الشرق الأوسط الا اذا وضع يده بيد اسرائيل ؟». أن يكون الحكام العرب قهرمانات الهيكل…
ألهذا دعا رجب طيب اردوغان الرئيس الراحل محمد مرسي ، ولدى استيلاء «الاخوان المسلمين» على السلطة في مصر ، الى توثيق العلاقات مع تل أبيب. كانت رسالته الشهيرة الى بنيامين نتنياهو «يا صديقي العظيم». أحد كتبة الجماعة لاحظ التقاطع الفلسفي بين تيودور هرتزل وحسن البنا.
ماهو الشيء الذي لم يفعله الرئيس التركي من أجل الدخول الى دمشق، لا الى حلب فقط، ومن أجل الدخول الى بغداد، لا الى الموصل فقط ؟ الصحافي التركي البارز جنكيز تشاندار الذي اختار المنفى «لأن صاحبنا لا يحتملنا الا بين قدميه»، كتب عن العالم التركي كهاجس ايديولوجي لدى اردوغان.
تلك الجيوبوليتيكا الهجينة التي تمتد الى تركستان الشرقية (اقليم سينكيانغ الصيني) من ناحية، والى آخر البلقان، من ناحية أخرى، دون اغفال الجناح
الآخر، المغرب العربي.
هكذا يتسنى له أن يتوج «سلطان البر وخاقان البحر». أبحاث كثيرة دخلت الى المنطقة الدونكيشوتية في شخصيته. لعل صهيل الخيول العثمانية (الخيول المحطمة) على أبواب فيينا لم يفارق أذنيه. البداية من ضفاف بردى. تحذيرات أوروبية تلاحقت حول مراقصة الثعبان، ولكن …
السلطان الذي وضع كتفيه بتصرف البيت الأبيض، باستضافة منشآت الدرع الصاروخية، على أنها البوابة الأميركية الى السلطنة، أو على الأقل الى الولايات العربية كافة، فتح معسكراته، ومنتجعاته، ومستشفياته، وحتى الملاهي الليلية، أمام برابرة الدنيا. أن يصل على صهوة حصانه الى باحة الجامع الأموي في دمشق يعني تغيير وجه الشرق الأوسط.
منذ البداية، لم يدرك أن اللعبة أكبر منه بكثير. فلاديمير بوتين قال «ان النظام العالمي الجديد ينبثق من سوريا». سيرغي لافروف أسرّ في أذني أحمد داود أوغلو « سوريا بالنسبة الينا هي روسيا».
لطالما سخر الروس من الكلام عن تحويل سوريا الى حالة ايرانية. هنا المزاج المختلف، الثقافة المختلفة، التاريخ المختلف. حتى أن الخليجيين يعتبرون أن «الخطر العثماني» أشد هولاً من «الخطر الفارسي». واذا كان لآيات الله، لانتهاجهم خطاً معادياً لاسرائيل، التاثير الجيوسياسي في المنطقة، لا يمكنهم، في أي حال، احداث تغيير في أي من البنى السوسيولوجية.
اللعبة ليست فقط أكبر من اردوغان. ثمة تفاعلات استراتيجية مدوية على القوس الممتد من بطرسبرغ الى شانغهاي. باراك أوباما توقف طويلاً عند «ما ينتظرنا في الباسيفيك». لا مجال البتة للتفكير باحياء السلطنة، حتى ولو بنى الرجل قصراً يفوق، بفخامته وبذخه، سائر قصور بني عثمان.
لا نكشف سراً ان قلنا ان بشار الأسد أبلغ موسكو وطهران أنه مستعد أن يواجه وحيداً (مرة أخرى … كفى مراقصة الثعبان). ما يبتغيه اردوغان أن يزرع الخنجر، أو القنبلة، في الخاصرة السورية، الخاصرة السياسية كما الخاصرة الاقتصادية.
على الأقل حالة عثمانية على الخريطة السورية، ان من خلال النيوانكشارية (تلك الظاهرة الكاريكاتورية التي تدعى «الجيش الوطني السوري»)، أو من خلال توظيف الظروف الانسانية للنازحين، وتحويلهم الى حصان طروادة على الخشبة السورية.
الروس غاضبون من السياسات اللولبية لرجب طيب اردوغان. كل تعهداته حول ادلب، وقد حولها الى مستودع لشذاذ الآفاق، ذهبت أدراج الرياح. التنسيق العملاني بين السوريين والروس في ذروته. هل يعلم الرئيس التركي ما تداعيات ذلك على الأرض ، وقد ظن أن القيصر، بالسذاجة الدونكيشوتية اياها، يقف الى جانبه، وهو، أي القيصر، الذي خطط لانتزاع الورقة الكردية من الأميركيين واعادتها الى دمشق.
الأيام السورية الكبرى. انتظروا التداعيات المثيرة، عربياً، اقليمياً، ودولياً. الأميركيون يراهنون على مواجهة سورية – تركية. الدب الروسي في وسط الحلبة. تعلمون ماذا يعني ذلك؟
2019-10-16