كيف ستواجه طهران عاصفة 4 نوفمبر
صالح القزويني
من المفترض أن تعلن الادارة الأميركية غدا الاحد دخول المرحلة الثانية من عقوباتها على ايران حيز التنفيذ، ومن المؤكد أن العقوبات الجديدة ستترك تأثيرا سلبيا على اقتصاد ايران، ولكن تأثيرها سيكون كتأثير العاصفة عندما تهاجم منطقة ما فانها تحدث اضطرابا في تلك المنطقة ولكن هذا الاضطراب سيكون مؤقتا وينتهي.
من الطبيعي أن طريقة الايرانيين في احتواء هذه العاصفة يؤثر بشكل مباشر في حجم الأضرار والتداعيات التي تتركها، فيا ترى كيف استعد الايرانيون لاحتواء تداعيات العقوبات الجديدة؟
وقبل أن أجيب على السؤال هناك حقيقتان لابد من الاشارة لهما وهما:
على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طالما أعلن أنه لن يتهاون في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وأنه لايوفر الغطاء للمملكة في هذه القضية، ولكن كل الدلائل تشير الى أنه لم يكن يرغب بأن يحشر في هذه القضية بهذا الشكل، فموقفه محرج للغاية ولايدري كيف يمكنه الخروج من هذا المأزق دون أن يسجل عليه خصومه اية نقاط، كما أن موقف الحكومة السعودية لا يحسد عليه وليس أفضل من موقف ترامب، وبالتالي فان العقوبات الجديدة فرصة ذهبية يستغلها ترامب والرياض لتحويل الانظار من قضية خاشقجي الى ايران.
من المشاكل الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد الايراني هي مشكلة السيولة، وقد نجحت الحكومة الايرانية (حتى الآن) في توظيف المرحلة الأولى من العقوبات بامتصاص جانب كبير من السيولة عندما توجه الايرانيون الى شراء العملة الصعبة، فانخفضت قيمة العملة الايرانية أمام العملات الصعبة نتيجة الهجوم عليها، وكذلك نتيجة امتناع البنوك الايرانية من بيع العملات الصعبة، الأمر الذي أدى بدوره الى ارتفاع اسعار السلع قاطبة، من هنا فان جانبا من العقوبات الاميركية الجديدة يخدم الاقتصاد الايراني.
اذا كان جانبا من العقوبات يخدم مساعي الحكومة الايرانية في امتصاص السيولة النقدية فهذا لا يعني أنها لا تؤثر على الاقتصاد الايراني، ويبدو أن ترامب لا يطمح الى التأثير الضئيل على الاقتصاد وحسب وانما اصابته بشلل تام، ويركز بالدرجة الأولى على عرقلة تصدير النفط الايراني من خلال تهديد الدول والشركات بفرض عقوبات عليها اذا اشترت النفط الايراني، وكذلك عرقلة حصول ايران على عائدات تصدير بضائعها بما في ذلك النفط، وصولا الى تحقيق الهدف الرئيس وهو تحريض الشعب الايراني ضد النظام الحاكم، من أجل الاطاحة به أو ارغامه على تقديم التنازلات خاصة المتعلقة بسياساته تجاه اسرائيل والمنطقة وقدراته العسكرية والصاروخية.
وفي مواجهة العاصفة التي بدأت رياحها تهب بالقرار الذي اتخذته وزارة الخزانة الأميركية أمس الجمعة بفرض عقوبات على 700شخص وكيان ايراني، فان الهدف الرئيس الذي تسعى الحكومة الايرانية الى تحقيقه هو تهدئة السوق الايرانية، ومنذ عدة أشهر والحكومة تعلن أنها بصدد تنفيذ حزمة من الاجراءات الاقتصادية ترمي بالدرجة الأولى تقديم الدعم الحكومي للاقتصاد وخاصة دعم السلع الرئيسية لتبقى صامدة أمام العاصفة، وبذلك تضمن الحكومة الايرانية شعور مواطنيها بأن العقوبات الجديدة لم تؤثر على الاقتصاد.
الخطوة الأخرى التي ستقدم عليها الحكومة الايرانية والتي ترمي الى تحقيق ذات الهدف وهو أن يشعر الشعب الايراني بأن العقوبات لم تؤثر عليه هي أنها تبدأ بضخ العملات الصعبة التي خزنتها طيلة الأشهر الماضية الى السوق، ولكن هذا الضخ لن يكون على المستوى العام وانما للقطاعات التي تحتاج لهذه العملات وخاصة التجار وشركات الاستيراد والمسافرين الايرانيين، وترمي هذه الخطوة الى الحفاظ على قيمة العملة الايرانية أمام العملات الاجنبية.
وهنا تجدر الاشارة الى أن الاجراءات الصارمة التي اتخذها القضاء الايراني ضد المتعاملين بالعملات الصعبة أو ضد التجار والشركات الايرانية التي حصلت على عملات صعبة بسعر مدعوم على أن تبيع بضائعها بذات السعر ولكنها باعت بضائعها بالسعر الحر للعملة، كافية لردع سائر المتعاملين بهذه العملات أو الذين سيحصلون على عملات صعبة بسعر مدعوم، خاصة أن القضاء أصدر حكم الاعدام على بعض هؤلاء، ومن الواضح أن القضاء يريد توجيه رسالة للذين يسعون الى الاخلال بقيمة العملة الايرانية انه لن يكون متهاونا معهم.
من الخطوات أيضا، هي عدم ايجاد أي تغيير في أسعار بعض السلع الضرورية وفي مقدمتها الرغيف والوقود، وقد شهد السوق الايراني خلال الشهرين الماضيين ارتفاعا تدريجيا وهادئا في كافة السلع وصل الارتفاع في أغلبها الى مئة بالمئة إلا أن الحكومة الايرانية لم ترفع سعر البنزين، وكذلك لم ترفع سعر أغلب أنواع الخبز وربما خبز (سنككي) هو الوحيد الذي شهد ارتفاع سعره؛ إلا أنه من الآن فصاعدا لن تسمح السلطات برفع اسعار السلع الرئيسية، من أجل ضخ الثقة في نفوس الايرانيين بأن العقوبات لم تؤثر على السوق.
هذا على صعيد وضع الاقتصاد الداخلي، أما على صعيد تصدير النفط الايراني ووصول عائداته لايران، فبالاضافة الى الوعود التي قطعها الاتحاد الأوروبي لايران بأنه سيضمن وصول عائدات النفط والبضائع الى طهران، وانه سيقدّم اليوم أو غدا آلية بهذا الخصوص؛ فان طهران ستقدم على الكثير من الخطوات في هذا الاطار من بينها، التعامل بالعملة المحلية، وكذلك اللجوء الى المقايضة، وأيضا بيع النفط في بورصة النفط الايرانية وتقديم محفزات في هذا الاطار.
وفي اطار السبل التي ستلجأ اليها ايران لتصدير نفطها، تجدر الاشارة هنا الى ما صرح به وزير النفط الايراني السابق رستم قاسمي عندما قال، إن بلاده حصلت على 140 مليار دولار من بيع النفط خلال الحظر الذي فرضه مجلس الأمن الدولي ضد ايران منذ 2012-2015، فيتبادر الى الاذهان السؤال التالي، اذا كانت ايران قد استطاعت بيع نفطها في الوقت الذي كان العالم كله يتضامن مع اميركا في فرض الحظر عليها، ألا تستطيع أن تبيع نفطها في الوقت الذي ترفض فيه عشرات الدول سياسة ترامب؟
2018-11-04
طهران