الكتلة الاكبر و عراك الصبيان في جرية الناعور
د.زياد العاني
عندما كنا صبيانا صغارا في مدينة عانة القديمة كنا نلعب ونلهو مع بعضنا البعض بسهولة بمختلف الالعاب في الرياضة و السباحة ونشكل الفرق أحيانا بشكل عشوائي من الموجودين قرب الملعب أو عند النهر. وغالبا ماترافق هذه الالعاب منافسات تتحول أحيانا الى مشاحنات ومشاجرات يعقبها تصالح و أحيانا كنا نضطر بعد مشاجرة ما الى تغيير التحالفات بناءا على نصائح الاكبر منا سنا لغرض تقليل الاحتكاك مع من تشاجرنا معهم أو بطرق أنتهازية بالانضمام الى الفريق الاقوى فتجد هذه التحالفات تتغير خلال أيام قليلة و أحيانا في في نفس اليوم.
كانت لدينا لعبة أثناء السباحة نسميها في محلات عانة الغربية لعبة ” الدتشة – أي “الدكة” بالفصيح) وتتلخص في أن يقوم فريقين كل منهما مكون غالبا من أربعة صبيان بالتنافس على أحتلال دكة موجودة في صدر جرية الناعور أنظر المبنى في الجزء الايمن من الصورة وهو لطاحونة قديمة) الجزء الايسر يسمى ” الطرك” وعلى يساره يوجد الناعور. ومابين الطاحونة و الطرك الممر المائي الذي يجري فيه الماء بسرعة يسمى السيب .على يمين الطاحونة يوجد سيب آخر (غير ظاهر في الصورة). تبدأ اللعبة بالقرعة لمن يحتل الدكة أولا و الفريق الآخر يبدأ بالهجوم ومحاولة ازاحة الفريق الآخر بكل الطرق بدون استخدام العنف المفرط و الاكتفاء بجر الايدي والجسم (بشكل منفرد أو جماعي) نحو الماء وسط مقاومة الفريق الثاني، ومحاولة الصعود من الماء الى الدكة أو المباغتة من أحد جانبي السيبين ودفع المتواجدين على الدكة بسرعة نحو الماء وأحيانا يكون الهجوم من محورين مع مساندة ممن يتواجد من الفريق المهاجم بالماء ومحاولة دفع الذي يسقط نحو أحد السيبين الذي يجري بسرعة ويحتاج الى ثلاث أو أربع دقائق لحين العودة الى ميدان المعركة. وكان بعض الصبيان الصغار يقفون أحيانا على الجرية و الطرك متفرجين كل يشجع أشقائه أو أقربائه.
وعندمايكتمل احتلال الدكة تسجل نقطة وتعاد الجولة مرة أخرى ولا يوجد حكم في هذه اللعبة وقد تمتد اللعبة ساعتين أو أكثر. أحيانا تحصل خروقات للبروتوكول المتعارف عليه فتحصل خدوشات بالاظافر أو ضربة أثناء الصراع تتحول أحيانا الى شجارفيؤدي ذلك الى تغييرات في الفرق أو انسحاب البعض من اللعبة زعلا وبعدها غالبا ما يتم التصالح ولن يستمر في أسوأ الاحوال أكثر من 24 ساعة.
تذكرت يوم أمس هذه اللعبة التي لم أمارسها منذ أكثر من 45 سنة و أنا أقرأ خبر عن تغير التحالفات السياسية بين الكتل التي تتصارع لتشكيل الكتلة الاكبر حيث أنهت كتلة سائرون تحالفها مع النصروقال أحد نوابها أن لامجال للتحالف مع العبادي بعد اليوم بسبب أحداث البصرة بعد أن أتفقت معه مرتين أو أكثر تغيرت خلال أسبوع يتخللهما الانسحاب المفاجيء من التحالف. وتحالف الفتح مع دولة القانون وانسحب ثم تحالف مع سائرون و انسحب ثم رجع و تحالف مع دولة القانون وانسحب وتحالف مع النصر وهذا تحالف مع الحكمة و انسحب والآن انسحبتحالف النصر و رجع وتحالف مع سائرون. النجيفي و الخنجر والمطلك كل على انفراد او مجتمعين تحالفوا مع علاوي مرة و من ثم مع القانون ثم مع النصر و بعده مع الفتح وانشقوا فيما بينهم ورجعوا و اتحدوا وشق خميس الخنجر بخنجره كتلته وتحالف مع العامري. والاحزاب الكردية تنتظر من يعطيها أكثر و الكتل الصغيرة تراقب من سيفوز لتلتحق به وهكذا مثل لعبة الصبيان على الدكة في جرية الناعور في عانة بل كان الصبيان أكثر نضجا من حثالات تتحكم بمصير شعب ودولة.
صورة الجرية مأخوذة من بيتنا في عانة القديمة

2018-09-11