دكتورة خديجة صبار
يقول المؤرخ عبد الله العروي، وهو من أعلام التاريخ النقدي الاحترافي:” كثيرا ما يظن الناس أن المرء لا يتعلم من التاريخ سوى الحيل التي ينفلت بها من المآزق. هذا معنى طارئ، أما المعنى الأصلي للعبرة فهو تربية الإرادة.
التاريخ هو مجموعة من أدوار ومواقف معروفة ومحدودة، يطلع عليها الفاعل ويتقنها ليختار صورته في السجل اللاحق.” قول يطرح سؤال من يصنع التاريخ اليوم في الشرق الأوسط؟ هل أمريكا علما أن اختراع الكتابة مرتبط في الشرق الأوسط بالاستقرار والتمدن ونمو التجارة. و التجارة تشجع على استعمال الحروف والأرقام وعلى المحافظة على “العقود.” و انطلاقا من مفهوم “العقد،” ندرك أن الرواية التاريخية تهدف إلى الكشف عن بداية الأنظمة السياسية. هذا الشرق مركز الديانات، والذي تحالف عليه المحور الصهيوني الأمريكي وحلفاؤه، إذ تدخل الغرب وجيوشه في العراق وليبيا واليمن وفشل في دعم الانتفاضة المدنية في سوريا وبناء الدولة في ليبيا والديمقراطية في مصر، مما ساعد على التوسع السريع والمذهل” لداعش” في سوريا والعراق لتمتد هجماته في شمالي العراق ومحاولاته الوصول إلى مدينة أربيل الكردستانية وتقدمه باتجاه حلب السورية. و هذا التهديد ما عاد يطول العراق وسوريا فحسب بل يستهدف ما هو أبعد من ذلك، ساعده الفراغ الإيديولوجي في حقبة ما بعد انهيار المشروع القومي العربي وفشل الحركات الإسلامية المعتدلة وغياب عقائد إيديولوجية فاعلة و الديمقراطية فضلا عن ارتباط مشروع الدولة العربية بالفساد وأنظمة الحزب الواحد المعروفة بانتهاك حقوق الإنسان.
استمرت الحرب على الإرهاب منذ أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتفرز سيرورتها الفرصة الملائمة للمحور الصهيوني الأمريكي وحلفاؤه من العرب، والآلية الإرهابية التي صنعا، لتدمير البلدان الرافضة للانضباط والالتزام الحرفي بالأوامر الأميركية لتبين لاحقا، أن واشنطن تهتم بتغيير الأنظمة العربية، لأن استقرار إسرائيل وقوتها وتماسكها مرهون بانهيار المجتمعات العربية وضعفها وتمزقها وتجزيئها داخليا إلى جيوب عشائرية وطائفية، أكثر من مكافحة الإرهاب. واليوم لم يعد يجدي إلقاء اللوم على الآخر، عوض الانتفاع بالقوانين المعروفة لاستخراج العبرة من دروس التاريخ، والتاريخ حيوي من حيث فوائده لتجنب كوارث الحاضر.
هناك بوارق تضيء من بؤر النصر التاريخية، بالنظر إلى أن المؤرخ ينظر إلى فعالية الإنسان على أرض الواقع بكيفية خاصة، وتحرير إرادته مهما كانت ظروفه الزمانية والمكانية. لقد نمت الحرب القدرة على فهم مخطط الغير، وهنا بالضبط تقوم ضرورة الوعي التاريخي، لأن الغير الذي يواجهنا- هو الغرب المهيمن- يعرف نفسه بأنه تاريخ وتطور. ونحن إن تأملنا جميع المشكلات العويصة التي تواجه العرب عموما، فمن الواضح أن عجزنا عن فهم و تكوين سياسة ملائمة فعالة، مما يجعلنا نعيش إخفاقات متوالية ونستقر في حالة أزمة متكررة، ويغيب عنا عامل التصميم والفعل والإرادة. فهل كان بالإمكان تحرير نقطة ضمن الجغرافية السورية لولا وصمود الجيش السوري وقائده وحلفاؤه في الواقع الميداني على مدى سبع سنوات، تعرض خلالها الشعب لأبشع أنواع الحرب ولأبشع عملية انتهاك لمقومات الوطن، بهدف نشر الفوضى والتفتيت في كل المنطقة؟ وهل كان بالإمكان بلوغ ما تم تحقيقه من الإنجازات التي لم يستسغها المحور الصهيوني الأمريكي وحلفاؤه في العالم العربي- الذين يعيشون حاليا ظروفا عصيبة ناتجة عن تلك التي يعيشها ساكن البيت الأبيض نفسه- بعدما تبين أنه لم يعد بالإمكان زعزعة أسس الانتصار السوري؟ وكل إنجاز معناه تقليص النفوذ الأمريكي و القضاء على جيوب الدواعش التي صنعها؟ وهل كان من الممكن الوصول إلى مرحلة عملية تحرير إدلب أشرس معاقل الإرهاب؟ أوقيام أميركا بإعادة تسليح وتجهيز مقاتليهم في سوريا والعراق، و إعداد عناصر جبهة النصرة والخوذ البيضاء وتكرار مسرحية استعمال الجيش السوري للسلاح الكيمياوي تمهيداً لضرب مواقع سورية كما يبشر بذلك بعض مسؤوليها، مع أن التهويل بالكمياوي معزوفة أضحت مألوفة وتعود إلى السطح في كل عدوان، علما أن الغاية هي السعي لابتزاز روسيا للضغط على إيران قصد الخروج من سوريا لتحقيق هدف إسرائيل، وإلا المنطق يفند الاستعمال الكيماوي ضد قوات مهزومة ! هل كنا سنعيش صراع إرادتين من جديد؟ وظهور انتصارات المحور السوري العراقي الروسي الإيراني وحزب الله، فضلا عن الصعود الروسي في وجه احتكار القوة الأمريكية المتحكمة في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي مع نهاية القرن المنصرم؟ فالهدف السوري الروسي الإيراني في الوقت الراهن هو الحفاظ على المكتسبات الميدانية لتتم ترجمة نتائجها سياسيا.
صحيح أن المحور الأمريكي المتماهي لحد التطابق مع إسرائيل حقق هدفه في تدمير القوة العسكرية السورية اللازمة لمواجهة إسرائيل، وأعاد سوريا كما أعاد قبلها العراق بقرون إلى الوراء، لكن يظهر أن الأزمة على المستوى الاستراتيجي قد انتهت، وأن الهدف الأبعد من الحرب كله قد حدد كما تمليه مصلحة الدولة؛ فالنظام السوري، بدعم من روسيا والحلفاء، قد أشرف على استرجاع سيطرته على معظم الأراضيالسورية-علما بأن استرجاع منطقة ما أصعب من الاحتفاظ بها- وأن الوضع قد تغير عسكريا لصالح ما تحقق على الأرض للمحور الروسي والنظام، وأن إسرائيل لن تسترخي وتطمئن عيون قادتها، وأن ما نتج عن صراع الاتجاهين من تدقيق ولد وعيا حادا بأن ماهية الإنسان العربي هي وجوده في التاريخ. والحضور في التاريخ معناه ممارسة الحضور بالوعي، الحضور المعرفي والعملي، بمعنى أن يكون الإنسان كائنا فاعلا في مواجهة الزمن بالعقل والإرادة والفاعلية، ذلك أن الإنسان ليس عاملا رئيسا في التغيير فحسب، بل هو الذي يحرك التاريخ. وإذا كانت القيادة العسكرية تستقل عن الزعامة السياسية في الحالات العادية، ففي نظرية “كلاوزفتس” يجمع الرئيس العبقري المسؤوليتين معا؛ مسؤولية القائد الحربي والزعيم السياسي.
والرهان الآن حول ضلعي مثلث صفقة القرن: يتعلق الأمر بمسألة اللاجئين وحق العودة و تقرير المصير للشعب الفلسطيني وهما لا تخضعان لسلطات الاحتلال المباشر، ولا يعني أن هاتين المسألتين هما وحدهما ما تبقى لتعلن أمريكا صفقتها، بل هناك مستلزمات لسلامة تنفيذها على الأرض، تتعلق بتأثير الدول الإقليمية في المنطقة وفي سوريا بالذات، أي تركيا وإيران، وبالتالي فتنفيذها متعلق بتصفية المسألتين والمستلزمات الإقليمية. أمريكا إذن أمام مهمة تصفية المسألتين من ناحية، وتصفية العوائق الإقليمية المتركزة في تحجيم سياسة وتوجه تركيا أردوغان، والتخلص من الوجود الإيراني وتبعاته في سوريا كشرط أساسي في ترتيب الوضع المريح الخالي من التهديد لإسرائيل وأمنها النهائي.
العروي تاريخاني. والتاريخانية هي السعي، بعزم واختيار وإرادة، إلى الإحاطة بوقائعنا وبالوضع الذي نحن فيه مع العمل على حل مشكلاتنا التاريخية على أرضية التاريخ نفسه، الذي يفسر لنا أحداث الماضي لاستكشاف المستقبل الذي تهيئه أعمال الحاضر بناءا على الوعي الجماعي للشعوب. فهي ليست مذهبا فلسفيا تأمليا، بل هي موقف أخلاقي يرى في التاريخ، بصفته مجموع الوقائع الإنسانية، مخبرا للأخلاق وبالتالي للسياسة. والتاريخاني لا يعنى بالحقيقة بقدر ما يعنى بالسلوك، بوقفة الفرد بين الأبطال، لأن التاريخ في نظره، هو معرفة عملية أولا وأخيرا . وفي السياق نفسه يقول ابن الخطيب في الاعتبار من دروس التاريخ:
وبعد فالتاريخ والأخبار فيه لنفس العاقل اختبار
وفيه للمستبصر استبصار كيف أتى القوم وكيف صاروا
(المملكة المغربية)