مـن البديهي أن الذين يتواجدون في الميدان ويشتركون بشكل من الأشكال في صناعة الحدث، لديهم أكثر من الآخرين، معطيات تسمح بتقدير الأوضاع واستخلاص التطورات التي من المحتمل منطقياً أن تقع. ينبني عليه أن التعليق في المسائل الحساسة يجب أن يـُطلب أولاً من ذوي العلاقة المباشرة بمجريات الأمور. أو بكلام أكثر وضوحاً لا يتقن غالباً المراقب العادي من الفصيلة التي أنتمي إليها شخصياً، قراءة الخطوط والمواقع والتحركات على أرض الواقع في سورية أو في لبنان أو العراق، وبالتالي ينزلق بعضنا، نحن المراقبين والإعلاميين، أحياناً إلى تفسيرات وتحليلات ليس لها أية مرتكزات موضوعية وإنما هي مبنية على ظنون وتصورات كأننا في مجال مفتوح على الرهان.
ما حملني في الحقيقة على وضع هذه التوطئة هي أخبار إستوقفتني في نهاية هذا الأسبوع، وجدت أن قراءتها عسيرة علي إلى حد الإبهام.
خذ إليك هذا الخبر الذي يفيد بأن رئيس وزراء دولة المستعمرين الإسرائيليين بنيامين نتنياهو «يرفض الإتفاق الروسي الأميركي في موضوع وقف إطلاق النار في جنوبي سورية» وحجته كما جاء في الخبر نفسه، أن هذا الإتفاق يبقي على القوات الإيرانية على مسافة قريبة من منطقة الجولان !..
فهل يعني هذا أن الأميركيين توصلوا إلى إتفاقية مع الروس، دون أن يستشيروا المستعمرين الإسرائيليين؟ علماً أن الرئيس الأميركي الدمية، زار الشهر الماضي إسرائيل حيث نقلته الطائرة مباشرة من مدينة الرياض السعودية إلى مدينة تل أبيب الإسرائيلية.
صارت الأبواب مشرعة أمام المستعمرين والإتصال بهم يكاد أن يكون علنياً ومستمراً في كل شاردة وواردة!
لعل موقف الزعيم الإســرائيلي بخصوص الجنوب السوري دليل على أن إسـرائيل طرف في الحرب التي تتعرض لها سورية إلى جــانب الأطراف الأخرى التي أشهرت العداء ضد الدولة والكيان الوطني في سورية. بالإذن من الثوار ومن الحرية والديمقراطية.
نحن نعرف ذلك ولكن لا شك في أن الإسرائيليين يريدون تحقيق مكاســب، كحماية إحتلال منطقة الجولان على أقل تعديل، عن طريق إدعائهم بأن وقف إطلاق النار في جنوب سورية لا يكون فعلياً دون موافقتهم. حزام أمني، منطقة آمنة يرتع في مداها عسكر «الإسلاميين» الذين لبوا نداء «ثوار» الحرية والديمقراطية في سورية!
الغريب في هذا الأمر أننا حيال خبر ينبئنا عن الموقف الإسرائيلي، ولكن نجهل كل شيء عن وجهة النظر الرسمية السورية حول التفاهمات المفترضة، الروسية ـ الأميركية! هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فكيف نفهم كلام المستعمرين عن انزعاجهم من تواجد القوات الإيرانية بالقرب من الجولان المحتل، وكأنهم يعبرون بذلك ضمنياً عن موقف مفاده أنهم يفضلون «جيرة» الجيش العربي السوري دون القوات الإيرانية ! أو انهم يلمحون إلى الإحتلال الإيراني، أو التوسع والتمدد الإيراني! هذه رسالة من «الصديق الإسرائيلي» إلى من يعنيهم الأمر في دنيا العرب و«الإسلام». الحكي موجه لك يا جارة ولكن اسمعي يا كنة! السلام على أمل دنقل: لا تصالح! يقول الخبر الثاني الذي لفت نظري ان المسؤول الإيراني «رحب بمبادرة جمع من نواب البرلمان السوري إلى إنشاء مرصد الجرائم ضد الإنسانية في سورية وخاصة في بلدتي الفوعة وكفريا» قرأت الخبر ولكن تعذر علي فك رموزه. ماذا يعني «إنشاء مرصد الجرائم ضد الإنسانية في سورية»؟ أعتقد أنه يتوجب في موضوع الجريمة توصيف هذه الأخيرة وتمثيلها، ورفع الأدلة التي تثبت تاريخ وقوعها وتدل على هوية الجاني أو الجناة المحتملين.
والقصد من هذا كله هو منع تكرار الجريمة سواء عن طريق معاقبة مرتكبها بحيث يندم على فعلته أو بالحيطة التي تجعل تنفيذها مستحيلاً.
أعتقد في هذا السياق أن الحرب العدوانية التي تتعرض لها سورية أصلها في مشروع إمبريالي ـ إستعماري غربي يتضمن تصفيات «بشرية» في بلاد المشرق تمهيداً لإستملاك جغرافية هذه الأخيرة.
إستناداً إليه يحق لنا أن نتساءل عن الدور الذي سوف يضطلع به «مرصد الجرائم ضد الإنسانية». فنحن نعرف أن الإستعمار هو الذي ارتكب الجريمة. لا ننسى في هذا المجال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» في العاصمة البريطانية، ناهيك عن حلقات مسلسل «الكيماوي» الذي يبتز بواسطته المستعمرون الأميركيون والأوربيون، الحكومة السورية، دون حسيب أو رقيب. فلماذا نتظاهر بالبحث عن المجرم. لقد رأيناه ألف مرة متلبساً بالجريمة!
وما أثار عجبي أيضاً في هذه المسألة هو تمييز المسؤول الإيراني، «الجرائم ضد الإنسانية» في البلدتين السوريتين الفوعة وكفريا من مثيلاتها في البلدات الأخرى. فلم أستطع فهم ذلك. لذا أكتفي بالإشارة إلى هذه القولة الشاذة في نظري، كوني سورية مناهضة للإستعمار. فهذا الأخير هو القاتل والمخرب !
ولا بد في مسألة الإنحراف البربري الذي يتعاظم في مجتمعات يحاصرها الغرب الإستعماري المتوحش بالجوع والعطش والموت والكذب، من ذكر خبر ثالث جاء فيه أنهم يواصلون في العراق التنقيب عن «المقابر» الجماعية فيكتشفون بانتظام أعداداً إضافية منها، كان آخرها في تكريت، في منطقة القصور الرئاسية، ولكن التحاليل المخبرية ترجح أن الجثامين وهي أزيد من 823 جثماناً، هي لطلاب القاعدة الجوية الذين أسروا سنة 2014! من نافلة القول أن المتهم ليس الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فهذا الأخير أعدم في سنة 2006، وبالتالي فمن المحتمل أن تكون جماعات داعش هي التي إقترفتها ! يحكى أن أعداداً من القتلى توجد تحت الركام في الموصل. يدفنون في الموصل وينبشون المقابر في تكريت!
2017-07-30