سعد ناجي جواد
فجاءة وبدون سابق إنذار انفجر المشهد السياسي العراقي بالمتناقضات، وتجزأت التحالفات الكاذبة التي كانت مبنية على الطائفية والعنصرية و المصلحة والمنفعة والسرقة والفساد، وتشتت دون اية أشارة لاحتمالية تجمعها ثانية. فبعد ان كان الامر قد بدا بالتحالف الكردستاني انتقل الى المجلس الاسلامي الاعلى و حزب الدعوة ثم الى تحالف القوى والتحالفات الاخرى المشابهة، ولا يزال الامر مستمرا ولن تعرف نتائجه الا بعد حين.
ان ما يجري لابد وان يثير تساؤلات كثيرة منها على سبيل المثال: لماذا حدث ذلك، ولماذا الان بالذات؟ وهل يرتبط ذلك بالسياسة والموقف الامريكي الجديد في العراق؟
وهل ان هذا التشرذم جاء بأمر وإيحاء أمريكي ام انه كان نتيجة طبيعية لهزالة الأسس التي بنيت عليها هذه التحالفات؟ و لماذا فشلت وتفشل جهود ايران صاحبة النفوذ الاقوى بين كل هذه التحالفات في لم شملها وإيقاف تشرذمها.
كما انه لا يمكن ان يعقل ان كل هذه التحالفات الاثنية والطائفية قد اكتشفت ان منهجها كان خاطئا وبدات تفكر بطريقة ليبرالية ومنفتحة وعلمانية فجاءة وبدون سابق إنذار. او ان الاحزاب السياسية الدينية الضيقة قد اكتشفت بان هناك رفض لهيمنتها ولسياساتها التي اوصلت العراق الى هذا المنزلق الخطير.
تلوح في الأفق إشارات لتغيرات كثيرة وخطيرة في العراق تنسجم مع السياسة الامريكية الجديدة والتي سبق وان نوَّهنا عنها. هذه السياسة تتمثل بالاساس في العمل على أضعاف ثم انهاء هيمنة ايران في العراق. وبغض النظر عن ما اذا كانت ستستطيع فعل ذلك بسهولة او لا، اذا انه ليس من المتوقع ان ترضخ ايران لهذا المخطط، كما ان هناك شكوك حول اذا كانت الولايات المتحدة جادة في فعل ذلك. ومع ذلك فان هناك مؤشرات على هذه السياسة الجديدة والتي يمكن تحديدها بما يلي: زيادة الوجود الامريكي في العراق، فتح باب للحوارات الأمنية والاستراتيجية بين العراق والسعودية، إقامة قواعد أمريكية ثابتة في العراق، العمل على السيطرة على الطريق الدولي الذي يربط العراق بالاردن وسوريا، تشجيع الحكومة العراقية على ملاحقة عدد من المحافظين ونوابهم وأعضاء مجالس المحافظات الذين تحوم حولهم شبهات فساد كثيرة وكبيرة، ودعم الجيش وليس اي طرف اخر في الحرب ضد داعش. وبالمقابل، واستشعارا منها بهذه السياسة، قامت ايران بدعوة وزير الدفاع العراقي، الذي لا حول له ولا قوة ولا نفوذ داخل الجيش، لكي توقع معه اتفاق تفاهم استراتيجي. اتفاقا لا يزيد ولا ينقص، ولكن ارادت ان تقول بأنها مازلت موجودة ومتنفذة.
ان جملة التحولات التي تجري في الساحة السياسية العراقية لا يمكن ان يفهم منها سوى انها استعدادا مبكرا من اطراف العملية السياسية للتوافق مع المخططات الامريكية، وكما فعل اسلافهم عندما توافقوا مع المخططات الامريكية قبل عام ٢٠٠٣، ثم لما وجدوا ان تأثير ووجود ايران كان اكبر وأكثر فاعلية، مع رغبة أمريكية للخروج المبكر وترك العراق بعد تدميره، ذهبوا الى ايران، والآن لما بدأت الولايات المتحدة تظهر رغبة في العودة بداوا يعدون العدة للامتثال لرغباتها. و بالتأكيد فان كل أفعالهم لا يمكن ان تعتبر محبة بالعراق او بمصلحته التي ضحوا بها هم وأسلافهم، من استفاد منهم او من أُهمِلَ، قبل خمسة عشرة عاما. اما الشق الخطير في المخطط الامريكي الجديد فهو احتمال ان يتحول الصراع الامريكي الايراني الى مواجهات مسلحة يكون العراق ساحتها. كما ان دور روسيا لا يزال غامضا، وازداد غموضا في استقبال السيد نوري المالكي رجل ايران الاول والطامح الى العودة لرئاسة الوزراء على الرغم من فشله الذريع في السابق ومن معارضة الولايات المتحدة ودعمها للسيد حيدر العبادي. علما بانه حصل اتفاقا في حزب الدعوة على ان يكون تمثيله في الانتخابات القادمة بقائمتين، الاولى برئاسة العبادي والثانية برئاسة المالكي.
اما ما يجري في كردستان العراق فهو قصة اخرى. لقد كان واضحا ان الاختلافات التي تصاعدت كانت نتيجة للتباين الكبير في مواقف الاحزاب الكردية المختلفة وتنافسها على قيادة الاقليم. وان قضية رفع العلم الكردي في كركوك والسيطرة على مقر شركة النفط وأخيرا طرح مسالة الاستفتاء، كلها أمور تتعلق بالخلافات الكردية – الكردية و بالمزايدات السياسية. وانا وبكل تواضع اعتقد ان الاستفتاء لن يجر، وان جرى فانه سيكون ناقصا ومشوها ولا يمثل اي اجماع كردي. كما ان الضغوطات الامريكية والايرانية على الاطراف الكردية لا يمكن ان تستهين بها هذه الاطراف بما عرف عنها من خضوع مستمر لهما. علما بان صناع القرار الإيرانيين والسفارة الامريكية في بغداد دائبين على تطمين الحكومة العراقية على مسالتين هما (لا استفتاء ولا انفصال). وكذلك هو موقف الدول الأوربية وتركيا، بل واغلب دول الإقليم، باستثناء اسرائيل التي تجاهر بدعوتها لانفصال واستقلال كردستان العراق. ان هذا القول لا يعني ان أكراد العراق لا يحق لهم المشاركة في مثل هذا الاستفتاء، ولكن هناك بين أكراد العراق من لا يريد ان يجير هذ الاستفتاء لطرف معين في الساحة الكردية.
كما ان هناك جزء لا يستهان به من الشعب الكردي العراقي لا يريد لهذا الخيار ان يسبب عداءا وحروبا مع عرب العراق الذين عاشوا معهم لمئات السنين بأخوة ووئام. وهم يؤكدون ان الوقت غير مناسب لذلك، وان اي تغير للحدود والكيانات الموجودة سيجلب ويلات للشعب الكردي هو في غنى عنها، وان الاعتماد على الدعم الخارجي اثبت فشله الذريع في السابق.
خلاصة القول ان ما يجري في العراق الان لا يمثل خلاصاً للعراق ولشعبه. كما ان الذين تعاونوا مع الاحتلال وتبعاته، أحزابا و اشخاصا، لا يمكن ان يكونوا منقذين للعراق ولا بدايته الصحيحة. ان الخلاص الحقيقي لا يمكن ان يتم الا عن طريق حركة وطنية مستقلة موحدة وتضم كل مكونات العراق وأديانه. وبما ان هذه الحركة غير موجودة، فان خلاص العراقيين مما هم فيه يبقى امر غير قريب، وأن اية اصوات اصلاحية ستظهر ستتعرض لتصفيات جسدية من مليشيات الاحزاب المستفيدة من هذا التشرذم ومن الفساد الذي رافقها، وجعل منهم حركات تمتلك من الأموال ما يفوق مورد الدولة السنوي من النفط، علما بان هناك شكوكا كبيرة تحوم حول نوايا واهداف و جدية الولايات المتحدة الامريكية بشأن اعادة العراق كلاعب فاعل في المنطقة في ظل معارضة اسرائيل، التي كانت رغبتها في تدمير العراق مع رغبة امريكا في الاستحواذ على النفط اهم أسباب احتلال العراق في ٢٠٠٣، مع اضافة حقيقة معارضة اطراف عراقية وإيرانية وخليجية لمثل هذا الهدف.
وان ما سينتج عن سياسة امريكا الجديدة هو استبدال لوجوه طيعة وفاسدة وطائفية بوجوه جديدة لا تختلف عن سابقتها. ويبقى الأمل الوحيد، كما ذكرت سابقا، في الجيش العراقي ، الذي ظهر بشكل مغاير بعد تحرير الموصل، و أكرر تساؤلي السابق وهو هل سيكون الجيش هو المنقذ والحل؟ وهل سيقف الى جانب انتخابات نزيهة وضد الاحزاب الطائفية والعنصرية وضد الوجوه الفاسدة؟ انا على يقين ان الغالبية العظمى من العراقيين تتمنى ذلك أيضاً.
2017-07-28