المقاومة الإرهابيّة (2) .. المقاومة الإسلاميّة في لبنان نموذج ! ثريا عاصي
بمناسبة حلول الرئيس الأميركي ضيفاً على آل سعود، رحت أبحث على وقع التصريحات والأخبار المتواردة، عن الشرعية التي تعطي الأخيرين الحق بالنطق باسم الشعوب العربية أو المصنفة عربية، كونها متجاورة ومتشاركة في إرث ثقافي واحد، ناهيك من أنها متكاملة الموارد الطبيعية، لذا نادى المنادون ذات يوم بالإتحاد «العروبي» أو بالوحدة، استناداً إلى حديث نبوي «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»، ولكن الذهنية البعيدة عن الإيمان فهي لا تأخذ إلا ما يبرر الأحقية بالسلطة.
فالتسليم بوجود علاقة تربط الكيانات الخليجية جميعاً فيما بينها، بما هي كيانات تحتوي على مخزون كبير من النفط تتولى إدارة استخراجه وتسويقه شركات عملاقة غربية متعددة الجنسيات تمتلك بالقطع الرأي المرجح والغالب، لا يمنح هذه الكيانات من وجهة نظري، مبدئياً، حق الوصاية على الشعوب العربية في العراق والهلال الخصيب وبلاد النيل وشمال أفريقيا.
لا سيما أن هذه الكيانات الخليجية نفسها هي في الواقع شبه مستعمرات متورمة بالدولار النفطي إضافة إلى القواعد العسكرية الأميركية الكبيرة المنتشرة في أرجائها .
ماذا قدمت المملكة السعودية للدول العربية، غير الخليجية؟ سؤال جوهري يحتاج إيفاؤه إلى تفاصيل قد لا يتسع لها هذا الموضع.
ولكن مما لا شك فيه أن هذه الدول، إذا جاز لنا استخدام مصطلح الدولة بعد ما تبين من خلال الهجوم الإستعماري المستمر منذ 1990 أن نظم الحكم لم تتعلم شيئاً من هزيمة حزيران 1967، فتلاشت في «الربيع العربي» الدول المنوي محوها، الواحدة تلو الأخرى . ولكن هذا حديث آخر!
مما لا شك فيه أن هذه الدول لم تستفت شعوبها بشأن علاقتها بالسعودية، التي لم تكن طبعاً مجانية بمعنى أن السعودية دفعت ثمن أهداف كانت تريد الوصول إليها بقرار منها أو بالوكالة، وفي المقابل ساعدتها على بلوغها، العناصر السيئة، المشبوهة، المتغلغلة في السلطة في الدول المشار إليها، لقاء أجر دسم! (مثلاً إختطاف المعارض السعودي ناصر السعيد في 17.12.1979 في بيروت حيث حامت الشبهات آنذاك حول قياديين في حركة فتح، قاموا بتسليمه الى السفارة السعودية مقابل 10 مليون دولار، راجع مذكرات العقيد أبو موسى).
من الممكن أن ننظر أيضاً إلى دور السعودية السلبي في البلدان العربية من زاوية تجارية بحتة، بناء على أن الدولة في هذه البلدان، أفلست أو فشلت، فراح المسؤولون يوظفون سلطاتهم في البازار السياسي الذي أعقب حرب 1973، مما أتاح للسعودية حيازة نفوذ سياسي كبير في لبنان على سبيل المثال، إلى حد أن مجلس النواب اللبناني، عقد إحدى جلساته في مدينة الطائف ـ السعودية، تمهيداً لإتفاقية تعرف بإسم هذه المدينة!
يحسن التذكير في هذا السياق بأن سيرورة شراء النفوذ السياسي نفسها اتبعت أيضاً في تخريب الأحزاب الوطنية اللبنانية، وفي حرف حركة التحرير الوطني الفلسطينية تمهيداً لإيصالها إلى ما وصلت إليه.
ومن المعلوم أن مناضلين كثيرين كانوا أعضاء بارزين سواء في الحركة الوطنية اللبنانية وفي حركة التحرير الوطني الفلسطيني إختطفوا إرهاباً ولم يعثر لهم على أثر، وبعضهم سقط صريعاً برصاص غادر أو قتل بلغم كان ملصقاً بسيارته . بتعبير آخر إن الإرهاب ُممارس عادة من قبل السلطة العربية ضد المعارضين والمقاومين، وليس العكس.
لا شك في ان القرارات التي يتخذها السعوديون والتي تتضمن أحكاماً على حزب الله في لبنان بأنه إرهابي، هي مسيئة في تقديري لكل لبناني وتنم عن استخفاف واحتقار له، بصرف النظر عن التوافق أو عدمه، على السياسة التي ينتهجها هذا الحزب.
من البديهي أنني لست هنا في سياق محاولة تفنيد مزاعم السعوديين حول مسألة الإستعمار والتحرير، فأغلب الظن أن هذه أمور لا تعنيهم. ما يهمنا هنا هو أنهم يتوهمون انه صار بإمكانهم أن يلقنوا الناس في لبنان دروساً في تحفيظ مفاهيمهم السياسية! الثراء الفاحش يعلم الوقاحة!
إن حكاية المقاومة في لبنان ضد المستعمر الذي غزا واحتل الأرض، تقرأ في كل قرية على شواهد أضرحة الشهداء، وتقرأ أيضاً في ذكرى التحرير، يوم خرج آخر جندي إسرائيلي من لبنان . وتقرأ في جزع الأطفال وفي الدمار الواسع وفي ثبات المقاومين في حرب تموز 2006. ولكن أكبر شهادة على عظمة المقاومة ضد المستعمر يأتي على لسان أعدائها ومن خلال تكرار محاولاتهم للنيل منها. وأعداء المقاومة اللبنانية معروفون، هم المستعمرون والخونة الذين يعتبرون نضالها إرهاباً!
أعتقد في ختام هذا الفصل أن المقاومة التي يقودها حزب الله هي المقاومة التي كانت ممكنة في ظروف لبنان والمنطقة، وهذه الظروف لم تتغير. إن استخدام الدين في قضية التحرير الوطني لا شك في أنه منع الجهات الخارجية من شراء أو إغراء بعض العناصر في هذه المقاومة الإسلامية وتمكينهم بالمال من تجنيد «مرتزقة» بقصد تخريب المقاومة من الداخل . هذا ما حدث في منظمة التحرير الفلسطينية عندما صار لكل قيادي أنصار وجيش توازياً مع اختفاء المناضلين الحقيقيين وإغتيالهم. لا، المقاومة الإسلامية في لبنان ليست إرهاباً إلا في مفهوم المتعاونين مع المستعمرين!