ارهاصات مجنون
بغداد وأربيل.. بين استحقاقات الدستور وإشكالية السيادة الاتحادية
الجزء الاول
د. طالب الشوكة*
تمثل العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وإقليم كردستان واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003، وهي علاقة تثير تساؤلات عميقة تتطلب تفكيكها بدقة وموضوعية، استناداً إلى التحليلات السياسية والدستورية والتقارير الموثقة.
تُعد القوى السياسية الرئيسية في أربيل ليست كتلة صلبة واحدة، لكنها تجمع على البراغماتية السياسية وحماية المكتسبات الدستورية؛ فهي تنظر إلى بغداد باعتبارها مصدر التمويل والشرعية القانونية، وفي الوقت نفسه تخشى أي محاولات لتقويض النظام الفيدرالي أو إعادة مركزية السلطة التي عانت منها تاريخياً.
يعيش الإقليم واقعاً مزدوجاً؛ فهو من جهة يُعد الواحة الأكثر استقراراً نسبياً من الناحية الأمنية مقارنة ببعض مناطق الوسط والجنوب، ومن جهة أخرى يعاني من أزمات هيكلية واقتصادية خانقة، مثل أزمة رواتب الموظفين، والاعتماد المفرط على موازنة بغداد، والتجاذبات الحزبية الداخلية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
ورغم أن الدستور العراقي لعام 2005 نص صراحة على أن العراق جمهورية اتحادية فيدرالية وليست كونفدرالية، إلا أن سلوك أربيل يتسم غالباً بالندية السياسية. فالقيادات الكردية تعتبر أنها ناضلت لعقود طويلة وحصلت على كيانها الذاتي والسياسي قبل إقرار دستور 2005، وهي تنظر إلى الإقليم باعتباره شريكاً مؤسساً للدولة العراقية الحديثة وليس مجرد محافظة تابعة للمركز.
فضلاً عن ذلك، فإن امتلاك الإقليم لقوات البيشمركة، التي تُعد جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية وفق الأطر الدستورية والقانونية، لكنها تُدار ضمن مؤسسات الإقليم، إلى جانب وجود برلمان وحكومة ووزارات محلية ومكاتب تمثيل خارجية، خلق شعوراً نفسياً وسياسياً باتساع مساحة الاستقلال الذاتي. وهذا دفع القيادات الكردية إلى تبني تفسيرات خاصة لبعض المواد الدستورية الخلافية، مثل المادتين 111 و112 المتعلقتين بإدارة الثروات النفطية والغازية، حيث ترى أربيل أن أي تنازل عن صلاحياتها يُمثل تهديداً لمكانة الإقليم وكيانه الدستوري.
شكلت محاولات الانفصال والاستفتاء الذي أُجري في أيلول (سبتمبر) 2017 نقطة انكسار وفشل استراتيجي أجبرت أربيل على إعادة حساباتها؛ إذ فرضت بغداد، في عهد حيدر العبادي، سيطرتها على المناطق المتنازع عليها، وعلى كركوك وحقول النفط والمنافذ الحدودية، مما أنهى إمكانية الانتقال السريع إلى مشروع الانفصال.
ويمكن وصف الموقف الكردي الحالي بأنه التمرد ضمن السرب؛ بمعنى أن الإقليم اضطر، تحت ضغط الواقع الاقتصادي والمالي والسياسي، إلى العودة بصورة أكبر إلى إطار الدولة الاتحادية، خصوصاً بعد قرارات المحكمة الاتحادية العليا المتعلقة بقطاع النفط والغاز في الإقليم وتوطين الرواتب. ومع ذلك، فهو يستخدم أوراق الندية والضغط السياسي كلما سنحت الفرصة لتحقيق مكاسب مالية أو إدارية، دون الذهاب نحو خيار الانفصال العسكري أو السياسي المعزول الذي أثبتت التجربة صعوبة تحقيقه إقليمياً ودولياً. انتظرونا في الاجزاء الاخرى
يتبع
2026-11-06