لا بد من إنهاء العقلية اللصوصية في إدارة الدولة العراقية!
بقلم البروفيسور وليد الحيالي
لا يمكن لوطن أن يستعيد عافيته ما دامت الدولة تُدار بعقلية الغنيمة، وما دام المال العام يُعامل بوصفه ملكاً للقوى المتنفذة، والوظيفة وسيلةً للولاء، والمؤسسات ساحاتٍ لتقاسم النفوذ. إن أخطر ما يصيب العراق هو أن تتحول سرقة حقوق الناس إلى ممارسة مألوفة، وأن يُطلب من المواطن التكيف مع الخراب بدلاً من محاسبة المسؤولين عنه.
العقلية اللصوصية تتجاوز اختلاس الأموال إلى مصادرة معنى الدولة نفسه. فهي تظهر حين تُقدَّم المحسوبية على الكفاءة، ويصبح الانتماء الحزبي طريقاً إلى المنصب، وتُستخدم السلطة لحماية المصالح الخاصة. وعندما يستقر هذا المنطق في الإدارة، يفقد القانون قدرته على حماية المواطنين، وتتحول حقوقهم إلى منح ينتظرونها من أصحاب النفوذ.
إن ثمن هذا النهج يدفعه الناس من أعمارهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. يدفعه المريض حين يعجز عن الحصول على العلاج، والطالب حين تُهمل مدرسته، والخريج حين تُغلق أمامه أبواب العمل. وكل مورد يُهدر يعني فرصةً ضائعة لبناء مستشفى أو إصلاح طريق أو توفير مياه صالحة للشرب.
لهذا، فإن إنهاء هذا النهج واجب وطني وأخلاقي، يبدأ برفض تبريره أو التستر عليه. فلا الانتماء السياسي، ولا القرابة، ولا الشعارات الدينية والوطنية، تمنح أحداً حصانة من المساءلة. ومن يتولى مسؤولية عامة يجب أن يقبل كشف أدائه ومحاسبته وفق القانون، مهما كان موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.
ولا تكفي الدعوة إلى الإصلاح من دون مطالب واضحة: استقلال القضاء، وحماية أجهزة الرقابة، وشفافية العقود والإنفاق، وإعلان نتائج التحقيقات، واسترداد الأموال المنهوبة عبر إجراءات قضائية عادلة. كما لا يستقيم إصلاح الإدارة من دون اعتماد الكفاءة أساساً للتعيين والترقية، وضمان حق الصحافة والمواطنين في الوصول إلى المعلومات ومساءلة المسؤولين.
وعندما تضيق قنوات التغيير، يصبح الاحتجاج السلمي وسيلةً للدفاع عن المصلحة العامة. ويمكن للعصيان المدني السلمي أن يكون شكلاً من أشكال الضغط الأخلاقي والمجتمعي، شرط أن يقوم على مطالب محددة، وأن يصون حياة الناس وكرامتهم، ويحافظ على الخدمات الأساسية والممتلكات العامة والخاصة. فقوة التحرك الشعبي تأتي من سلميته واتساع الثقة به وقدرته على تحويل الغضب إلى إرادة منظمة.
أما عبارة «استخدام كل الطرق»، فيجب أن تُفهم في إطار الوسائل السلمية التي تحترم حقوق الإنسان. فلا يجوز أن يقود رفض الفساد إلى تبرير العنف أو الانتقام أو التخريب. إن الوطن الذي نريد إنقاذه يحتاج إلى حماية أبنائه ومؤسساته، وإلى عدالة تمنع الإفلات من العقاب وتحول أيضاً دون ظلم الأبرياء.
وتتحمل الجامعات والنقابات والهيئات المهنية ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية صياغة برنامج إصلاحي يمكن للناس فهمه ومتابعته. فالمطالب العامة تكتسب قوتها حين ترتبط بخطوات قابلة للقياس، ومواعيد معلنة، ومراقبة مستقلة. ويحتاج أي حراك إلى مراجعة أدائه باستمرار، وحماية استقلال قراره من محاولات استغلاله في صراعات النفوذ.
لقد بلغ الضرر حداً يفرض موقفاً واضحاً: لا تطبيع مع الفساد، ولا قبول بتحويل الدولة إلى غنيمة. والعراق يستحق إدارةً تخدم مواطنيه، وقانوناً يحمي حقوقهم، ومؤسساتٍ تُحاسَب على نتائج عملها. والطريق إلى ذلك يحتاج إلى شجاعة مدنية، وتنظيم مسؤول، وإصرار سلمي يعيد للشعب قدرته على مراقبة السلطة وتغيير مسارها.
2026-10-23