إرهاصات مجنون!
كَلّلّووووووووووووش كللووووووووووووش !
إلين أنجل تنتقد الفقه الجعفري!
د. طالب الشوكة
في زمن باتت فيه الخوارزميات تجمع النقيضين في سلة واحدة، شهدنا مؤخراً عروضاً مسرحية مجانية على وسائل التواصل الاجتماعي تُنافس غوته وشكسبير في العبثية.
القصة باختصار. حملة شعواء تقودها كتاكيت الشاشة الفاضحة، أمثال إلين أنجل للطعن في المدونة الجعفرية للأحوال الشخصية.
من أنتِ ومن تكونين؟ مهلاً.. هل قرأتم الجملة جيداً؟
نعم، إلين أنجل، التي لم تحفظ في حياتها سوى كبسولات التصوير الليلي ومقاطع الأكشن المبتذلة، قررت فجأة أن ترتدي جبة الفقهاء، وتتخلى عن عدسات الكاميرا لتستبدل بها عدسة الفقه المقارن، مستاءةً من أحكام الحضانة والطلاق في الفقه الجعفري! (أبا باخ!)
مؤتمر بالم هيلز الفقهي.. برعاية الكاميرا الخفية
يبدو أن صالونات الفكر الحديثة قد انتقلت من حوزات النجف وقم إلى استوديوهات هوليوود التجارية والمنصات الرقمية الهامشية. لم يعد شرط الاجتهاد هو دراسة الأصول، والفقه، والرجال، والدراية؛ بل يكفي أن تمتلك إضاءة دائرية، وإعلاناً عن موعد العرض، وحساباً على منصة زرقاء أو حمراء لتصبح مرجعاً في الأحوال الشخصية!
تخيل معي المشهد: باحثة فقهية ترتدي قناع النجومية الرقمية، تشرح للمتابعين بحرقة كيف يظلم الفقه الجعفري المرأة في الإرث، وهي نفسها التي لا تستطيع التمييز بين عقد البيع وعقد النكاح إلا إذا كان مشفوعاً بموسيقى تصويرية صاخبة أو رومانسية هادئة، وترقبٍ ممن يتراكضون خلفها ممن يعانون الحرمان العاطفي!
إنها العولمة في أسوأ وأغرب صورها؛ حيث يتحول كل عابر وعابرة على الشاشات الخفية والزوايا المظلمة إلى مصلح ديني. وأنا متأكد أنها لا تعرف الحيض من الاستحاضة، ولا تعرف سجدة السهو، ولا تعرف حتى أركان الإسلام ولا التقليد، لتنسف إرث ألف وأربعمائة عام بـ سناب شات مدته خمس عشرة ثانية !
ولم تتوقف المهزلة عند حدود أبطال الكاميرات، بل انضمت إليها بعض الأصوات النسوية المدججة بثقافة (كوبي بيست)، لتخرج علينا بنظرية عبقرية تفيد بأن. جعفر الصادق (عليه السلام) ليس عالماً، وإنما هو شخص ليس لديه مؤلفات… جيب لي المؤلف مالته! ما عنده مؤلفات، الرجل كله قال وعن فلان وقال جعفر!”
يا سبحان الله!
وكأن العلوم الإنسانية والفقهية طوال التاريخ وُلدت مطبوعة في كبسولات جاهزة على يد هؤلاء!
الإمام الذي يقول عنه التاريخ والخصوم قبل الأصدقاء إنه بحر لا يُزاحم، يُختزل بجرة قلم من سيدة تفقد أعصابها لو طلبت منها تعريف السند والمتن!
يعني بحسب هذه النظرية العبقرية، كل من يروي عن غيره يصبح ليس عالماً!
بناءً على هذا المنطق، فإن أرسطو، وأفلاطون، وأينشتاين، وكل مؤلفي كتب التاريخ، يصبحون مجرد مُرددين لشائعات المجالس!
في النهاية، ربما يجب على حوزات العلم أن تستعين بمستشارين إعلاميين لتعديل مناهجها، بحيث تضم مادة اختيارية بعنوان: “كيف تفهم الفقه الجعفري على طريقة إلين أنجل وماري النوري والسويدة؟”.
إنها حقاً مهازل العصر؛ حيث تُقاس رصانة المدونات الفقهية بمقدار ما تثيره من حنق في الدوائر الهابطة، وحيث تصبح الأحوال الشخصية مادة لتسلية من لا يحسنون سوى الوقوف أمام الكاميرات.
عش رجب ترى عجباً!
وفي عصر السوشيال ميديا، لا استغراب إن رأيت عارضات الأزياء يفتين في الطهارة والنجاسة!
بصراحة، الواحد أحياناً يشعر أنه يعيش في كابوس عبثي تتحكم في قوانينه خوارزميات الإنترنت المجنونة، حيث يسقط الخط الفاصل بين الجاد والمهزلة.
تخيل معي المشهد: المدونة الجعفرية للأحوال الشخصية، بتاريخها الممتد وأصولها الفقهية المعقدة واجتهادات علمائها لقرون، تصبح فجأة تحت المجهر.. ليس من قِبل مجتهدين أو باحثين أكاديميين، بل من قِبل أسماء مثل إلين أنجل وماري النوري!
منذ متى كانت منصات الإثارة وعروض الشاشات الرخيصة هي الحوزة العلمية البديلة؟ هل أصبحت أحكام الحضانة، والطلاق، والنفقة تُدرس على يد من لا تفرق بين العقد الشرعي و”اللايف” اليومي؟
إنها مهازل العصر حقاً؛ أن تتحول عارضات الفيديوهات الفاضحة إلى حقوقيات يتباكين على المرأة في المدونة الجعفرية، وكأن التاريخ بدأ وانتهى مع مقطع بث مباشر هدفه جذب المشاهدات!
يا سلام على هذا العمق الفكري!
بناءً على هذه العبقرية، كل مؤرخي العالم، وفلاسفة اليونان، وعلماء الفيزياء، يتحولون إلى مجرد ببغاوات يرددون كلام الغير. الإمام الذي تخرج من مدرسته أساطين العلوم، والفقه، والطب، والكيمياء (مثل جابر بن حيان)، لو كان حياً لضحك طويلاً على هذا المنطق الأعوج!
2026-10-22