#على_شفا_جرف_هار!
أزمة هرمز و المواقف الدولية و العراقية
الجزء الثالث
زينب مهدي*
ما يحدث في مضيق هرمز الآن ليس حـ ـرباً تقليدية واضحة المعالم، بل هو حـ ـرب استنزاف بحرية هجينة ومتداخلة الخطوط ، يضع المنطقة و العالم على فوهة بركان اقتصادي و عسكري .
تمتلك الدول المستوردة الكبرى (مثل أمريكا، الصين، ودول أوروبا) ما يسمى “الاحتياطي البترولي الاستراتيجي” . وهي آلاف البراميل من النفط المخزن في مستودعات ضخمة أو كهوف ملحية تحت الأرض لاستخدامها فقط في حالات الكوارث .
بسبب أزمة مضيق هرمز وباب المندب ، انقطع تزويد الأسواق بالنفط الطبيعي اليومي . فاضطرت الحكومات إلى سحب هائل من هذه المخازن وضخها في السوق لكن إذا نفدت هذه الإحتياطات دون التوصل لصفقة تهدئة، سيواجه العالم أكبر صدمة طاقة في التاريخ الحديث.
أما الصين فهي المستورد الأكبر للنفط من الخليج وإيران، فبدأت خطة طوارئ بالتنسيق مع روسيا وإيران لتسريع تفعيل طريق الحرير البري وشراء النفط الروسي . لكن الصين عملاق صناعي يستهلك قرابة 16 مليون برميل يومياً و لا تزال تعتمد بنسبة تزيد عن 40% على نفط الخليج (العراق، السعودية، الإمارات). شلل مضيق هرمز وباب المندب جعل الصين تعاني من قفزة أسعار الطاقة وتكافح لإنقاذ اقتصادها عبر الضغط الدبلوماسي لإنهاء الحـ ـرب .
أما العراق فيبيع الخام من موانئ البصرة بمزايدات و خصومات كبيرة وصلت إلى 26 و28 دولاراً للبرميل . و جرى التنسيق لنقل وتصدير النفط برياً عبر الأراضي السورية والتركية باتجاه البحر المتوسط
مع ان السلطات الإيرانية منحت إستثناء لعدد من ناقلات النفط العراقي بعبور مضيق هرمز مثل ناقلة أوشن ثاندر و ناقلة أوميغا تريدر لكن ما زالت الشركات ترفض إرسال سفنها العملاقة إلى ممر بحري يشهد يومياً هجـ ـمات عسكرية متبادلة بين امريكا و ايران .
قبل عام 2003، كان العراق يمتلك أسطولاً كبيراً يضم قرابة 100 ناقلة . لكن لم يتبقَ منه سوى ٦ ناقلات صغيرة بلا ناقلة نفط خام عملاقة واحدة . ثم باع الناقلات القديمة كخردة (سكراب) دون بناء اسطول وطني دائم رغم الميزانيات الضخمة التي كانت تكفي لشراء عشرات الناقلات العملاقة، يرجع ذلك إلى مزيج من الآليات الاقتصادية الدولية و الأمريكية المفروضة بعد عام 2003،
فمنذ ذلك الحين ، تُودع كافة أموال النفط العراقي في البنك الفيدرالي الأمريكي . امتلاك العراق لأسطول ناقلات يعني إيصال النفط إلى موانئ الدول المستهلكة مباشرة والتصرف المالي المستقل بآليات الدفع ما يضعف قدرة واشنطن على تتبع مسار الأموال والسيطرة على السيادة المالية للعراق.
فلتخفيف الأزمة طلب الزيدي ضمانات استثنائية من ايران قائلاً :نحن نعلم أنكم تحظرون سفن أمريكا وبريطانيا، لكننا نريد منكم ضمانات للناقلات التي نستأجرها لكي نتمكن من إقناع الشركات العالمية بالقدوم للبصرة .
إيران رفضت إعطاء هذه الضمانات لأنها لو أعطت ممراً آمناً للعراق، فستضطر لإعطائه للكويت والسعودية،
في الحقيقة ؛ بينما تدفع ايران أثماناً باهظة في حـ ـرب مدمـ ـرة وحصـ ـار خانق، بدت هذه الطلبات وكأنها استنزاف لما تبقى من رمقها الأخير وأوراقها الحيوية .
لكن رغم كل ما شرحناه من تراجع حركة الشركات الملاحة في مضيق هرمز نتيجة العمليات العسكرية الأمريكية المتواصلة والألـ ـغام البحرية الإيرانية وغيرها من الأسباب، شن الزيدي هجوم علني في نيويورك ضد ايران و حصر المسؤولية الكاملة عليها وحدها ليبرر الأزمة الإقتصادية أمام الشارع العراقي و انصياعه امام واشنطن .
هذا التناقض الصارخ يعكس المأزق التاريخي للعراق؛ فبين إنهاء ملف المقـ ـاومة و بين السرعة في تطبيق حظر الطيران والعقوبات الصارمة يعزز القول بأن الحكومة تتحرك برغبة كاملة للامتثال الكامل لواشنطن محدثةً قطيعة و فجوة عميقة مع ايران
يتبع
2026-10-04