ألف باء تاء أمريكا!
عبدالله كاظم
في عهد البعث في فترة السبعينات تم اعتقال أحد الشيوعيين في أحد (نواحي ذي قار) من قبل رجال الأمن وبعد تعذيب شديد ، رفض الإفصاح عن أسماء رفاقه في التنظيم ، أجهزة الأمن سمحت لأحد رفاقه من زيارته في المعتقل وطلبت منه أن يقنع رفيقه بالتعاون معهم ، وبالفعل حاول صديقه اقناعه بالاعتراف حتى يتخلص من التعذيب المرير والقاسي الذي كان يتعرض له يومياً.
.
كان جوابه بإختصار إذا قلت (ألف) يطلبون مني أن أقول (باء) وإذا قلت باء يطلبون مني أن أقول (تاء) وهكذا حتى يصلوا معي إلى (الياء) ، ولذلك اتحمل التعذيب حتى لا تكون الخسارة كبيرة وتشمل الجميع وليس شخصي فقط ، وبالفعل تم إطلاق سراحه لعدم ثبوت الادلة عليه.
.
هذه القصة رغم بساطتها تجسد باختصار علاقة أمريكا بالعراق، وما تريده من طلبات ،وما تأمل بالحصول عليه في نهاية المطاف ، وقد انتقلت من عهود التدخل غير المباشر عبر وكلائها بعد الانقلاب على حكم (عبدالكريم قاسم) الى التدخل المباشر بعد غزو العراق 2003 .
.
ربما واجهت أحياناً من يعارض بعض سياستها، ويرفض تنفيذ بعض أوامرها ، إلا أن الملاحظ أنها تمكنت مع وصول (الكاظمي) و(صالح) و(الحلبوسي) لرئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب من تحقيق المزيد من أطماعها مستغلة أحداث تشرين.
.
وقد تمكنت اكثر في فترة (السوداني) التي كانت كارثية على العراق بكل المقاييس ، لكنها اليوم تحقق انتصارات حقيقية وتتحكم بالكامل في إيقاع العملية السياسية وتوجهات الحكومة وإدارة الدولة ، وصولا لتحقيق غاياتها التي جاءت من أجلها ، في ظل حكومة ضعيفة ولدت من رحم الانقسام والتكالب على رئاسة الوزراء ، وأثر الخضوع لتغريدة ترامب المعتوه.
.
الدين الأمريكي تجاوز عتبة الأربعين تريليون دولار وفي ازدياد مضطرد وفي عقلية (ترامب) والحزب الجمهوري من خلفه بأن الاستيلاء على ثروات الدول الضعيفة يمثل الحل الأسرع لديون أمريكا وقد عبر (ترامب) عن طمعه في نفط العراق وضرورة الاستيلاء عليه ووصف حكامه بأنهم (مجموعة من اللصوص) ، وطبق ذلك بالاستيلاء على نفط (فنزويلا) وهو يحاول الآن لإسقاط النظام في إير/ان لنفس السبب وأسباب أخرى تتعلق باسر/ائيل.
.
أمريكا تنظر للعراق ودول المنطقة بعيون إسر-ائيلية وبالتالي تريد من العراق التطبيع الكامل مع الكيان أسوة بالأردن والبحرين والإمارات والمغرب دول بالاسم فقط ، مجردة من الكرامة والاستقلال ، ويترتب على ذلك تغيير مناهج التعليم وعقيدة الجيش والحد من أعداده ومنع تسليحه بأسلحة نوعية وبقاء العراق بلا سلاح جوي فعال ، وحل الحش د وبقاء معضلة الكهرباء حتى لا يتحول العراق لدولة صناعية تهدد الكيان ، والقائمة تطول وطلبات لا تنتهي.
.
المعضلة الكبرى التي تواجهها السياسة الأمريكية في المنطقة هي إير-ان وحلفائها ، ومن أجل أن يكون العراق رأس حربة في حربها ضد اير-ان لابد من إيصال مجموعة من الانتهازيين للحكم دون خبرة لكي يتم استغلالهم ، ودون تاريخ نضالي يشفع لهم أمام شعبهم وهكذا كان.
.
وقف حركة الطيران بين البلدين إلا خطوة متواضعة في مقابل ما ينتظر العراق من طلبات أمريكية ، وإذا نجحت هذه الخطوة فهذا يشجعهم لطرح المزيد ابتداءا من الالف الى الياء تحت ضغط التهديد بعدم تحويل الدولار ، ناهيك عما يسببه هذا القرار غير الأخلاقي وغير الانساني لمليون مواطن عراقي يعيشون في ايران ونصف مليون من المرضى الذين يتعالجون في ايران سنويا ولا يقل عن مئة ألف طالب في مختلف التخصصات فضلا عن منع المؤمنين من زيارة أئمتهم في العراق وإير-ان وما يترتب على ذلك من خسائر مادية ومعنوية للبلدين الجارين.
.
المرجعيات الدينية مطالبة بإدانة واضحة وصريحة لهذا القرار والمطالبة بإلغائه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون الشعب على قدر المسؤولية من خلال المظاهرات الحاشدة والاعتصامات لإفشال هذا المخطط الجهنمي ، وضرورة البحث عن رئيس وزراء كفء يجنب العراق شر مؤامرات أمريكا وحلفائها في المنطقة.
…….. 27/9/2026