ثنائية الحركة الإصلاحية والحركة الثورية!
جمال الطاهات
من الخطأ الجسيم افتراض التناقض بين الحركتين الإصلاحية والثورية أو عدم تكاملهما في أي مجتمع. فهدفهما مشترك، ولكن بمسارين متقاربين، وغن بدى بينهما اختلاف جلي. فما يميز الثوار هو يأسهم من وسائل العمل الإصلاحية (وليس الأهداف)، والمضي لخيار المواجهة مع الاستبداد والفساد. فالثوار هم إصلاحيو الامس، حين كان العديد منهم إصلاحياً، وهم أيضاً إصلاحيو الغد، حيث سيلتحق العديد من الإصلاحين بالخيار الثوري، الدي بعد انتصاره ستبدأ مسيرة مستمرة ودائمة من الإصلاح والتطور. لذلك فإن ورقة عباد الشمس التي تميز الإصلاحيين الحقيقيين من المتاجرين بالإصلاح لتبرير الاستبداد والفساد هو موقفهم من الحركة الثورية، وأيضاً موقف الثوار من الحركات الإصلاحية دليل على سلامة البوصلة.
الحركة الثورية ينتجها تعثر مسيرة الاصلاح
الحركات الثورية تنشأ بعد اليأس من فرص الإصلاح والتفاهم مع المستبد الفاسد أينما كان. فالحركات الثورية تنشأ بسبب استعصاء الإصلاح، وبعد أن يبدأ الاستبداد بمهاجمة الإصلاحيين والبطش بهم. لنتذكر جميعاً حركة الملكية الدستورية في إيران في مطلع سبعينيات القرن الماضي. عنجهية شاه إيران، وبطشه بالحركة الإصلاحية، وصولاً إلى قيام السافاك عام 1973 بضرب وسحل نساء طهران بالشوارع لمطالبتهن الإفراج عن معتقلي الحركة الإصلاحية، دفعت الكتلة الضخمة من المطالبين بالإصلاح نحو الخيار الثوري. وهذا ما كان قد سبق له وحصل في الولايات المتحدة الأمريكية. فقبيل الثورة أُرسلت عريضة غصن الزيتون إلى الملك جورج الثالث في لندن، ولكنه تجاهلها، ورد عليها بإرسال مزيد من القوات للبطش بالموقّعين على تلك العريضة.
فرضية تحتاج إلى تصحيح:
الفرضية الإصلاحية الخاطئة هي أن النظام الأردني يمكن أن يُصلح من خلال الموعظة. وأن الإصلاح ممكن أن يتحقق عبر مبادرة طوعية من المستبد الفاسد. وهذا يتناقض مع طبائع الاستبداد وسلوك المستبدين. كل الإصلاحات التي نشهدها في كل دول العالم، تحققت تحت وقع أقدام الثوار الزاحفين إلى معاقل الاستبداد والفساد. فالتاريخ يؤكد قاعدة لا يوجد أي استثناء لها حتى اليوم: أن المستبدين الفاسدين لا يتخلون عن السلطة والثروة إلا مجبرين. ولا يوجد عبر التاريخ من تخلى عن السلطة والثورة طائعاً، وبفاعلية النصيحة والموعظة
فالتاريخ الحديث لمحاولات تقاسم السلطة والموارد بدأ بوثيقة (الماغنا كرتا)، وهي الوثيقة التي أُجبر الملك جون على توقيعها في (رنيميد) تحت تهديد البارونات في 5 حزيران 1215. وما أن استعاد بعض قوته، حيث لم يتم تقليع أنيابه ومخالبة عند التوقيع على الماغنا كارتا، حتى زحف، بعد ثلاثة أشهر، إلى قلعة روتشستر التي كانت تستضيف اجتماع عدد كبير من الذين حضروا توقيعه على الوثيقة. فقام بحرق القلعة، وعومل كل من كان فيها يوم 30 تشرين الثاني 1215 باعتبارهم خونة. ومن لم يمت بالنار قام الملك جون بقطع رؤوسهم. فمع تغير ميزان القوى لصالح الملك، بطش بالإصلاحيين. وهذا شبيه بما حدث في الأردن بعد انتفاضة نيسان عام 1989. فما أن استقرت الأمور حتى انقلب النظام على وعود الإصلاح كلها، وتحول الإصلاحيون إلى هدف للحصار والبطش.
واحتاجت قوى الإصلاح في المجتمع الإنجليزي لقرون حتى تستعيد قوتها في مواجهة الملك. وحصل ذلك بعد الثورة التي قادها اوليفر كرومويل، والتي قطعت رأس الملك تشارلز الأول عام 1649. بعدها، رغم عودة الملكية إلى بريطانيا، ولكنها عادت ملكية عقلانية، تحسب ألف حساب قبل التمادي على حقوق الشعب، حيث ثبت أن هذا التمادي سيكون ثمنه قطع رأس الملك مرة أخرى في الساحة البيضاء. فلم تستقر القوانين، ويستعيد الشعب سلطاته إلا بفاعلية الحركة الثورية. وأي اعتقاد بأن الإصلاح هو ثمرة للنصيحة التي تتطلب كسب ثقة المستبد الفاسد، وطمأنته، فهذا وهم دفع المرحوم ليث شبيلات ثمناً باهظاً له.
الفرضية الثانية الخاطئة
هي أن الرأي العام، ومطالب عموم الأردنيين ستقنع المستبد الفاسد وعائلته بالقيام بخطوات إصلاحية. ومثل هده الفرضية تعاند حقيقة صادمة ماثلة بين أعيننا، وهي السياسات التي اعتمدتها العصابة الحاكمة في الأردن، وما قاموا به من خطوات ضد مصالح الناس، بالرغم من الاحتجاجات الشعبية. فالميزة المشتركة بين الحكم في الأردن وكل المستبدين الفاسدين عبر التاريخ، هو تجاهل الرأي العام وعدم احترامه.
إذ بالرغم من حرص المستبد الفاسد على كسب معركة الصور، إلا أنه لا يحترم الرأي العام إلا بمقدار حاجته للصورة التي تمكنه من الادعاء بأنه حاكم قوي أمام القوى التي تدعمه، وبالذات إسرائيل. فهو لا يضيع فرصة ليؤكد لداعميه بأنه لا يحترم رأي الأردنيين، ولا يقيم أي وزن لمؤسسات الدولة. وأن بإمكانه خداع الشعب الأردني ببعض الصور. ومن ينسى صور (البقج) التي ألقتها بنت المستبد الفاسد على رؤوس المحاصرين في غزة العزة.
المسار المشترك
تمسك الإصلاحيين بالقول بأن اللغة الإصلاحية تسهل على المواطنين التعرف على أهداف الإصلاح، وتمكنهم من حمل المطالب الإصلاحية، وتحويلها لمطلب شعبي، فكرة صحيحة، ولكن قيمتها أنها ستزيد عدد الإصلاحيين الذين سيكتشفون كذب ومراوغة المستبد الفاسد، وعندما يصلون لنقطة اليأس من الإصلاح بسبب عناد المستبد الفاسد وعائلته، وتمسكهم المستميت بالسلطة والموارد، سوف يلتحق الإصلاحيون بالخيار الثوري. فما يمنح القيمة لتعميم المطلب الإصلاحي هو وجود الخيار الثوري، القادر على تحويل مطالب الجماهير بالإصلاح إلى ثورة، تمكن شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارد.
السياسة و”الدهلزة”
اكبر خطأ يقع به البعض، هو اعتقادهم ان السياسة تعني انتفاء استخدام القوة. لنتذكر أن وعي التاريخ هو الذي كرس مفهوم السياسية من حيث هي نسيج التوازن المعقد للمصالح والقوى. فالسياسة بتعريفها الأساسي، ليست مبنية على منطق المطالبة، والاستجداء و”الدهلزة” عبر الاستدعاء للحاكم المستبد واسترضاءه. جوهر السياسية أنها حوار إرادات محمولة على ثنائية الفكرة والساعد. فما دام المطلب العام بلا قوة تحققه وتحميه، فلا معنى ولا قيمة له. تحميل المواطنين للمطالب الإصلاحية دون وجود حركة ثورية، ومهما بلغ نسبة المواطنين المطالبين بالإصلاحات، فلا قيمة لهم تذكر، ما داموا بلا قوة تمكنهم من فرض إرادتهم. المطلب الإصلاحي دون ساعد يحميه ويفرضه لا معنى ولا قيمة له. ومن الخطأ الجسيم أن يقوم إصلاحي حقيقي وصادق بضرب مصدر قيمته ومصدر قوته، وهو (الحركة الثورية) التي تمنح المطلب الشعبي قيمته وتسعى لتحقيقه.
أخيراً:
إن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي أن الإصلاحين والثوار هما ركنان متلازمان لتحرير شعبنا. شريطة التأكيد على وحدة الهدف وهو تمكين شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارد. فالفرق بينهما بالوسائل وليس بالأهداف. لقد تعودت العصابة الحاكمة العميلة في الأردن ابتذال الأفكار والمطالب الإصلاحية وتفريغها من محتواها. وبالرغم من اليقين بأن هناك إصلاحيين لا يقلون صلابة وثقة بشعبنا عن المناضلين في الحركات الثورية، إلا أنه من الضروري الانتباه إلى أن المعيار الواضح للتمييز بين الإصلاحي الحقيقي والاصلاحي المزيف (الذي يقبض ثمن تكراره لمفهوم الإصلاح دون مضمون وهدف واضح) هو: وجود مطلب إصلاحي واضح يتمثل في تمكين شعبنا من حقوقه كاملة غير منقوصة. عندها يكون الإصلاحيون أمس الثوار، ويكون الثوار غد الإصلاحيين.
2026-09-03