العلاقات السرية بين موسكو وطهران.. من تبادل السلاح إلى شراكة تكنلوجية صاروخية!
تحليل استراتيجي..
بقلم بكر السباتين..
يبدو أن المفاجأة الأبرز التي كشفت عنها فاعلية الردود الإيرانية على الهجمات المتكررة كانت أن إيران ليست وحدها في هذه المواجهة، وأن وراءها شبكةً من الحلفاء والقدرات التي يصعب تجاهلها.
في تصريح لافت خلال لقائه بالرئيس الإيراني على هامش قمة منظمة شنغهاي، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن موسكو تحاول، في هذه المرحلة الصعبة، تقديم الدعم الذي تحتاج إليه طهران، بما في ذلك تزويدها بالمعدات الضرورية. غير أن التصريح ترك السؤال الأهم مفتوحًا حول طبيعة هذه المعدات، وما الذي تقدمه روسيا لإيران تحديدًا؟
ولعل إيران تمثل، في المقابل، بيئة مناسبة لاختبار بعض التقنيات العسكرية الروسية والصينية واستيعابها وتطويرها، ثم إعادة إنتاجها بقدرات وخبرات إيرانية. فطهران تمتلك قاعدة علمية وبحثية متقدمة نسبيًا في منطقة غرب آسيا، وتحتل موقعًا متقدمًا في إنتاج البحوث العلمية ونشر المقالات في قواعد البيانات الدولية، مثل «سكوبوس» (Scopus)، كما تُصنّف ضمن القوى العلمية الصاعدة عالميًا. ومن ثم، فإن نقل التكنولوجيا إليها لا يعني بالضرورة نقل السلاح فحسب، بل قد يفتح المجال أمام عملية استيعاب وتطوير وإعادة توطين للتقنيات العسكرية داخل الصناعة الإيرانية.
وبحسب ما أورده التسجيل نقلًا عن تقرير لـ”فايننشال تايمز”، فإن الإجابة تتجاوز شحنة سلاح تقليدية؛ إذ تحدث التقرير عن مشروع روسي-إيراني سري بدأ عام 2023، يحمل اسم “سي-430″، ويركز على نقل خبرات وتقنيات روسية مرتبطة بالرامجيت النفاث الفرط صوتي، بما قد يتيح لإيران تطوير صواريخ كروز بحرية أسرع وأكثر صعوبة في الاعتراض.
والفارق هنا جوهري، إذ أن موسكو، وفق هذه الرواية، لا تسلّم طهران صاروخًا جاهزًا فحسب، بل تنقل إليها المعرفة التقنية التي تمكنها من تطوير منظوماتها محليًا. وتزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بصواريخ مضادة للسفن تجمع بين السرعة العالية والتحليق المنخفض؛ وهي خصائص تقلص زمن اكتشاف الصاروخ وتضيّق هامش الاستجابة أمام السفن المستهدفة.
ووفق التقرير، لم يبق المشروع في حدود الدراسات النظرية، بل شمل اختبارات إيرانية ومشاركة خبراء ومهندسين روس في تحليل أداء المحركات ومشكلاتها والعمل على تطويرها. كما أشير إلى تبادل بيانات ونتائج اختبارات فنية خلال عام 2025، واستمرار الاتصالات بين الجانبين حتى عام 2026، بمشاركة متخصصين في أنظمة الدفع والديناميكيا الهوائية، وبعضهم ارتبط ببراءات اختراع في مجال محركات الرامجيت وصواريخ كروز السريعة.
إذا صحت هذه المعطيات، فنحن أمام مستوى مختلف من التعاون العسكري؛ فالسلاح يمكن استهلاكه، أما التكنولوجيا فبوسعها أن تنتج أجيالًا متعاقبة من الأسلحة.
إنها شراكة تتجاوز تبادل السلاح، إذْ لا تبدو هذه العلاقة معزولة عن مسار أوسع من التعاون الروسي-الإيراني. فقد تحدثت تقارير عن تعاون في مجالات الدفاع الجوي والأقمار الصناعية، في حين سبق لإيران أن نقلت إلى روسيا خبرات وتقنيات مرتبطة بالطائرات المسيّرة، ولا سيما عائلة “شاهد”، التي أصبحت جزءًا من منظومة الحرب الروسية في أوكرانيا.
ويندرج هذا في سياق تبادلٍ تقني وخبراتي بين دولتين تجمعهما خصومةٌ مشتركة مع الولايات المتحدة، وتواجهان، بدرجات متفاوتة، عقوباتٍ وضغوطًا وحروبًا متواصلة.
وهكذا يمكن فهم المعادلة في إطار تبادل الخبرات والتقنيات، والسعي إلى فكّ العزلة التي فُرضت على البلدين؛ وهي معادلة تجلّت بوضوح أكبر خلال الحرب على إيران، ومع تفاقم أزمة مضيق هرمز.
في المقابل، تدرك واشنطن خطورة هذا التعاون الذي طفا على السطح، لكنها تجد نفسها غارقة أيضًا في مستنقع التحكم الإيراني بمضيق هرمز، الذي تحوّل إلى ورقة ضغط استراتيجية في يد طهران. ومن هنا تبدو الولايات المتحدة عازمة على إعادة تشكيل المعادلة التي أفرزتها تفاهمات إسلام آباد، بعدما رأت أن تلك التفاهمات لم تحقق أهدافها؛ إذ لم تحصل واشنطن على التنازل الذي كانت تريده في الملف النووي، كما لم تنجح ترتيبات فتح مضيق هرمز في إنتاج المعادلة التي أرادتها. وجاء ذلك، وفق هذا التقدير، بعد أن ورّطها نتنياهو في الحرب، ثم توارى خلف الكواليس مترقبًا النتائج وحاصدًا مكاسبها.
لكن إدارة ترامب، التي دخلت الحرب بهدف فرض شروطها، وجدت نفسها أمام تسوية لا تمنحها صورة انتصار واضحة؛ فعادت إلى الضغط من مسارين متوازيين: الحصار الاقتصادي والضربات العسكرية.
والهدف، وفق هذا المنظور، هو إضعاف أوراق القوة الإيرانية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ودفع طهران إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف. أما إيران، فتبعث برسالة معاكسة فحواها أن لا اتفاق جديدًا على حساب أوراق قوتها، ولا عودة إلى تفاهمات لا تضمن مصالحها، بل المضي قدمًا في التحرر من القيود التي فرضتها عليها واشنطن، عبر توسيع اقتصاد الظل وتعميق التعاون التقني مع حلفائها.
ومن هنا، يحاول ترامب تغيير هذه المعادلة عبر توظيف قنوات التفاوض والمساومة الاستخبارية مع الروس، بهدف التأثير في مستوى الدعم التقني والسياسي الذي تتلقاه طهران، ودفعها إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
ومن هنا تكتسب الزيارة السرية التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو في 25 أغسطس دلالةً تتجاوز ما وصفه ترامب بأنه لقاء”شبه روتيني”. فلقاء رئيس الـCIA بمسؤولي الاستخبارات الروسية، في وقت تتعثر فيه محاولات احتواء الحرب مع إيران، يفتح الباب أمام احتمال توظيف القنوات الاستخبارية في مقايضة أوسع من خلال الضغط على موسكو للحد من مستوى دعمها لطهران، مقابل تفاهمات تتصل بملفات أخرى، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية. وإذا صحّ هذا التقدير، فإن واشنطن لا تحاول الضغط على إيران مباشرة فحسب، بل تسعى أيضًا إلى التأثير في شبكة العلاقات التي تمنح طهران قدرةً أكبر على الصمود في وجه العقوبات والحرب.
ويبدو أن المعركة الحقيقية ستكون على طاولة المفاوضات. ففي ظل هذه المعادلة، لا يبدو السيناريو الأقرب استسلامًا إيرانيًا سريعًا ولا عودة فورية إلى تفاهمات إسلام آباد، بل استنزافًا طويلًا يسعى فيه كل طرف إلى تحسين موقعه قبل استئناف المفاوضات.
وفي هذه الأثناء، تتحرك باكستان لاستعادة دور الوسيط، بينما تدخل موسكو وبكين بصورة أعمق في المشهد، بما يجعل الصراع يتجاوز الحسابات الإيرانية-الأميركية المباشرة إلى تنافس أوسع على النفوذ والطاقة ومسارات التجارة الدولية.
وأخيراً، فإن الخطر لا يكمن في جولة صاروخية جديدة فحسب، بل في تحول الحرب إلى صراع استنزاف متعدد المستويات.. فإيران تطور أدواتها الصاروخية والبحرية والمسيّرة، وروسيا توفر لها الخبرة والتكنولوجيا التي تحتاج إليها، والولايات المتحدة تحاول استنزاف قدراتها ومنظومات دفاعها، فيما يبقى مضيق هرمز ورقة ضغط مفتوحة.. فمن سيحظى بالفوز في هذه الحرب الضروس التي لا تبقي ولا تذر!
3 سبتمبر 2016