“جارة كندا” أعلنتها حرباً تجارية على كندا:
انهيار المفاوضات وتراشق رسوم جمركية بين واشنطن وأوتاوا
دخلت العلاقات الأميركية الكندية منعطفاً خطيراً بعد انهيار المفاوضات واندلاع مواجهة جمركية واسعة، تهدد الاقتصادين، وتختبر قدرة واشنطن وأوتاوا على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للصراع المتصاعد بين البلدين الجارين
سعيد محمد*
وصلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا إلى مرحلة الصدام المباشر عقب انهيار المحادثات الرسمية بين البلدين، ليتحول الخلاف إلى مواجهة جمركية واسعة النطاق، تتضمن فرض رسوم مرتفعة على تبادلات تجارية بمليارات الدولارات، وتهدد بإنهاء عقود من الاستقرار والتكامل الاقتصادي بين الجارتين.
وبدأت شرارة التصعيد إثر انسحاب الجانب الكندي من المفاوضات احتجاجاً على الشروط الأميركية الصارمة، ليقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة خمسين في المئة على بضائع كندية تبلغ قيمتها نحو عشرين مليار دولار أميركي، دخلت حيز التنفيذ فور انهيار المحادثات.
وسارع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الرد بإعلان تدابير جمركية مضادة تشمل أكثر من سبعمائة سلعة أميركية بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، أي ما يعادل نحو عشرين مليار دولار أميركي. وتُطبق هذه الرسوم، التي تتراوح نسبها بين خمسة عشر وخمسين في المئة، اعتباراً من الثامن من سبتمبر/أيلول المقبل.
وأكد وزير المالية الكندي فرانسوا-فيليب شامبان استعداد بلاده لتوفير تمويل قوي لدعم القطاعات المتضررة، بينما أعلنت وزيرة الصناعة ميلاني جولي مرونة الحكومة في تقديم المساعدات إلى العمال والمؤسسات. واعتمدت أوتاوا حزمة دعم جديدة ومعززة بقيمة سبعة مليارات ونصف المليار دولار كندي، لحماية الشركات والمقاولين والعمال من التداعيات الاقتصادية للمواجهة.
وبينما هدد ترامب برفع الرسوم على السيارات والشاحنات وقطع الغيار الكندية إلى خمسين في المئة بحلول الأول من يناير/كانون الثاني المقبل، امتدت آثار انهيار المحادثات إلى النخبة الحاكمة في المكسيك، الشريك الثالث في الاتفاق التجاري لأميركا الشمالية. وأوفدت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم وزير الاقتصاد مارسيلو إبرارد إلى واشنطن لإجراء محادثات طارئة بشأن التداعيات التي قد تهدد مستقبل اتفاق التجارة الحرة “يوسمكا”.
ويُعد “يوسمكا” الامتداد المطوّر لاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية “نافتا”، التي أرست على مدى عقود شبكة شديدة التشابك من سلاسل الإمداد والاستثمارات وحركة رؤوس الأموال بين اقتصادات الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
وتتميز قائمة الرسوم المتبادلة بين واشنطن وأوتاوا باتساع نطاقها، إذ تشمل منتجات صناعية ثقيلة وسلعاً استهلاكية يومية. واستهدفت كندا واردات أميركية تتنوع بين معدات الحدائق المنزلية، مثل آلات قص الأعشاب، برسوم تراوحت بين خمسة عشر وخمسة وعشرين في المئة، والملابس القطنية والأثاث ومستحضرات التجميل التي فُرضت على بعضها رسوم بنسبة خمسين في المئة.
وشملت التدابير الكندية أيضاً فرض رسوم بنسبة خمسة وعشرين في المئة على الأجهزة المنزلية، مثل الغسالات وغسالات الصحون، وعلى بعض المعدات الرياضية، ومنها مضارب الهوكي، إضافة إلى المأكولات البحرية، مثل القواقع الحية وأسماك الزينة والكركند المدخن. كما فُرضت رسوم بنسبة خمسة عشر في المئة على آلات ومعدات ميكانيكية، من بينها الرافعات الشوكية وأجهزة التكييف.
وفي المقابل، يُتوقع أن يظهر أحد أبرز آثار الرسوم الأميركية في قطاع المنتجات الورقية والصحية داخل السوق الأميركية، إذ يعتمد جزء مهم من صناعة ورق التواليت والمناديل الاستهلاكية على المواد الخام الخشبية المستوردة من الغابات الكندية.
وتستهلك الولايات المتحدة أكثر من عشرين في المئة من الإنتاج العالمي للورق الصحي، رغم أنها تضم نحو أربعة في المئة فقط من سكان العالم، فيما يصل متوسط استهلاك الفرد الأميركي إلى مئة وإحدى وأربعين لفة سنوياً. وقد استوردت الشركات الأميركية ورق تواليت من كندا بقيمة ثلاثمئة وثمانية وعشرين مليون دولار خلال عام 2024، ما قد يضع شبكات التجزئة الكبرى والشركات الصانعة تحت ضغط ارتفاع التكاليف التشغيلية، ويدفعها إلى تمرير جزء منها إلى المستهلكين.
وتطال الرسوم الأميركية كذلك المشروبات الكحولية الكندية بنسبة خمسين في المئة، الأمر الذي دفع عدداً من المقاطعات الكندية إلى الإبقاء على حظر المشروبات الأميركية في متاجرها المحلية. وكان ترامب قد استغل هذا الحظر لتبرير خطواته الجمركية، رغم محاولات كارني إقناع حكومات المقاطعات بإبداء قدر أكبر من المرونة.
وفي المقابل، أكد عدد من القيادات المحلية، من بينهم رئيس وزراء نوفا سكوشا تيم هيوستن ورئيس وزراء مانيتوبا واب كينو، أن رفض شراء البضائع الأميركية لم يعد قراراً حكومياً فحسب، بل أصبح تعبيراً عن مزاج شعبي كندي واسع.
واشتدت حدة التوتر السياسي عقب انتشار تسجيلات صوتية مسرّبة لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من اجتماع مغلق، سخر فيها من موقف رئيس الوزراء الكندي، زاعماً قدرة واشنطن على إخضاع كندا في المفاوضات، ومذكراً باعتماد أوتاوا على المظلة العسكرية الأميركية.
وواصل ترامب توجيه الانتقادات الحادة إلى الجانب الكندي، واصفاً إياه بالتعنت، بل اقترح تغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى “بحيرة أميركا”، مجدداً بذلك خطابه الذي يتعامل مع الجارة الشمالية كما لو كانت الولاية الأميركية الحادية والخمسين.
وجاء الرد الكندي حازماً على لسان مارك كارني، الذي شدد على تمسك بلاده بسيادتها الوطنية ورفضها ما وصفه بالمطالب الأميركية التعسفية، ولا سيما تلك المتعلقة بالحماية الممنوحة للغة الفرنسية في كيبيك، ومحاولات تقييد علاقات كندا التجارية مع الدول الأخرى.
ولقيت قرارات أوتاوا مساندة شعبية واسعة، إذ أظهرت استطلاعات رأي أن ستة وسبعين في المئة من الكنديين يؤيدون قرار إنهاء المفاوضات والوقوف في وجه الضغوط الأميركية. كما اتخذ رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد مواقف هجومية صريحة تجاه الإدارة الأميركية، قبل أن يدعو لاحقاً إلى التهدئة، مؤكداً قدرة الاقتصاد الكندي على تنويع شراكاته الدولية وبناء بدائل تقلل اعتماده على السوق الأميركية.
وتأتي هذه المواجهة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى إدارة ترامب، في ظل استمرار التضخم الأميركي عند مستوى 3.4 في المئة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط الاقتصادية الناجمة عن العدوان الأمريكي على جمهورية إيران الإسلامية وتصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط.
وقد تعالت أصوات منتقدة للرسوم داخل الولايات المتحدة، إذ أبدت حاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر وحاكمة فرجينيا أبيغيل سبانبرغر اعتراضهما عليها، معتبرتين أنها تشكل عبئاً ضريبياً مباشراً على العائلات الأميركية وتلحق الضرر بقطاعي السيارات والزراعة.
وانضمت السيناتور الجمهورية سوزان كولينز إلى المنتقدين، ووصفت الرسوم بأنها خطأ سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار على سكان ولاية مين. كما حذر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري من خطر ترسيخ موجات التضخم، فيما جدد نائب الرئيس الأميركي السابق مايك بنس دعوته إلى الابتعاد عن الصراع التجاري مع كندا.
وتصطدم رغبة ترامب في الضغط على أوتاوا بحقيقة الاعتماد الأميركي العميق على عدد من الموارد الكندية الحيوية. فالمصافي الأميركية تستورد نحو أربعة ملايين برميل يومياً من النفط الخام الثقيل القادم من مقاطعة ألبيرتا، كما يعتمد الاقتصاد الأميركي بدرجات متفاوتة على الخشب اللين المستخدم في بناء المنازل، والطاقة الكهرومائية، والبوتاس، والألمنيوم، وشبكات إنتاج السيارات وقطع الغيار شديدة الترابط بين البلدين.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تواجه الإدارة الأميركية مزاجاً شعبياً متشائماً بشأن الاقتصاد. فقد أظهر استطلاع أجري في يوليو/تموز الماضي أن ستة من كل عشرة أميركيين يرون أن سياسات ترامب الاقتصادية أدت إلى تدهور الأوضاع، فيما تبدو الولايات الصناعية الحساسة، مثل ميشيغان وأوهايو، أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل توريد السيارات.
لكن هذه المعطيات لا تعني أن كندا تدخل المواجهة من موقع مريح، أو أن خسارة ترامب أصبحت نتيجة محسومة. فالاقتصاد الكندي أصغر بكثير من نظيره الأميركي، وتتجه نحو سبعين في المئة من صادرات كندا إلى الولايات المتحدة، ما يجعلها شديدة التأثر باستمرار الرسوم وإغلاق المصانع وتعطل سلاسل الإمداد وفقدان الوظائف.
وتستمد أوتاوا قوتها الحالية من التماسك السياسي والتأييد الشعبي والاستعداد لإظهار الصلابة في مواجهة واشنطن. إلا أن استمرار هذا التأييد سيعتمد على قدرة حكومة كارني على حماية العمال والشركات ومنع انتقال كلفة المواجهة إلى الأسر الكندية. وقد تبدأ هذه الجبهة الداخلية في التصدع إذا تحولت الرسوم إلى بطالة واسعة وارتفاع مستمر في الأسعار وإغلاق للمنشآت الصناعية.
لذلك، لن تحدد نتيجة هذه المواجهة قوائم الرسوم وحدها، بل قدرة كل طرف على تحمّل كلفتها السياسية والاقتصادية. فالولايات المتحدة تدخل الصراع من موقع القوة بحكم ضخامة اقتصادها واتساع سوقها، لكن اعتماد صناعاتها على النفط والخشب والطاقة وقطع السيارات الكندية يجعل الضغط على أوتاوا مكلفاً داخلياً أيضاً.
وفي المقابل، تحظى حكومة كارني بتأييد شعبي واسع، لكنها تقود اقتصاداً أصغر يعتمد بدرجة كبيرة على السوق الأميركية. ولذلك لا تبدو الحرب التجارية انتصاراً مضموناً لأي من الطرفين، بل اختباراً لقدرة كل حكومة على تحويل عناصر قوتها إلى نفوذ تفاوضي قبل أن تتآكل قدرتها على تحمّل الخسائر.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-08-28