من الحرب إلى «النورمندي الاقتصادي»: هل يستطيع ترامب خنق إيران؟
بقلم بكر السباتين…
في زمنٍ توارت فيه أشباه الآلهة خلف الأساطير، تتصرف أمريكا كأنها حاملة الصولجان وصاحبة الحلول الأبدية، وكأن لها حقًا إلهيًا في استغلال العالم، حتى حين تكون هي الطرف المعتدي. ويستحضر ذلك ساخرًا قول أحمد مطر في “لافتات”:
“خُلق في الأرض مخلوقان: إنسٌ.. وأمريكان!”
دخلت الولايات المتحدة الحرب على إيران بهدف تدمير قدراتها العسكرية والنووية، وكسر نفوذها الإقليمي، ووضع نظامها أمام خيارين: الخضوع للشروط الأميركية أو السقوط. لكن بعد أشهر من الحرب، لم يسقط النظام، ولم ترفع طهران الراية البيضاء، ولم يتحقق لترامب “النصر الساحق” الذي بشّر به؛ فيما ظلّ الموقف الأميركي أسيرًا للضغوط الإسرائيلية وأطماعها الإقليمية، ساعيًا إلى تحويل الحرب إلى مواجهة إيرانية مع محيطها العربي، وقد أوشك على تحقيق ذلك.
اندلعت الحرب في 28 فبراير الماضي بهجوم أميركي-إسرائيلي على إيران، فردّت طهران باستهداف “إسرائيل” وقواعد ومواقع أميركية في المنطقة. ومع تعاقب الهدن والعمليات العسكرية، بقي مضيق هرمز عقدة الصراع الأثقل، لما يمثله من أهمية حيوية للطاقة والتجارة العالمية.
من هنا تبدو واشنطن وكأنها انتقلت إلى “النورمندي الاقتصادي”: حصار إيران من البحر والبر، وتجفيف مصادر الدولار، وتشديد القيود على النفط والاستيراد والتحويلات وشركات الصرافة وشبكات التجارة والواجهات المالية.
ويحاول ترامب تقديم الحملة باعتبارها نسخة اقتصادية من إنزال نورمندي عام 1944: حشد الحلفاء، وفتح جبهات متزامنة، ثم مواصلة الضغط حتى كسر الخصم. لكن إيران راكمت خلال عقود خبرة واسعة في الالتفاف على العقوبات، عبر شبكات من الوسطاء والشركات الواجهة، وتبديل أعلام السفن وملكياتها ومساراتها، وإنشاء قنوات مالية وتجارية موازية. لذلك لا تستهدف واشنطن طهران وحدها، بل تضغط على كل من يمدّها بـ”الأكسجين الاقتصادي”، ملوّحة بعقوبات قاسية تطال المؤسسات والشركات والجهات المتعاونة معها، وصولًا إلى الصين، بهدف تجفيف منافذ النفط والتحويلات والتهريب وتفكيك شبكاتها المالية والتجارية.
وهنا تصبح الإمارات، ودبي خصوصًا، إحدى أهم ساحات المواجهة؛ فهي بوابة تجارية ومالية رئيسية لإيران إلى الاقتصاد العالمي. ووفق ما أوردته وول ستريت جورنال، جاء تشديد أبوظبي على الشبكات المالية الإيرانية بعد ضغوط أميركية متواصلة، مع إبقاء خيط اتصال مفتوح مع طهران تحسّبًا لفشل الحملة أو اتساع الحرب. فالإمارات تؤدي دورًا مزدوجًا؛ تنخرط في الضغوط على إيران من جهة، وتحافظ على علاقات جيدة مع طرفي الصراع من جهة أخرى، بما يتيح لها هامشًا للمناورة ويفسّر حرصها على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
لكن إغلاق البوابات الرسمية لا يلغي الطرق البديلة؛ فملاحقة الوسطاء والشركات الصغيرة والمناطق الحرة وشبكات الشحن والتأمين أكثر تعقيدًا. وقد يرفع الخناق كلفة التجارة ويصعّب وصول الدولار والبضائع، لكنه لا يضمن انهيار الاقتصاد أو النظام.
ويبقى مضيق هرمز الورقة الأخطر؛ فواشنطن تريد تأمين تدفق النفط وإثبات قدرتها على حماية الممرات البحرية، فيما لا تزال إيران تمتلك أوراقًا مؤثرة في حركة الطاقة والملاحة. ومن هنا، فإن نجاح الحصار الاقتصادي يتوقف جزئيًا على قدرة الولايات المتحدة على خنق إيران من دون أن تدفعها إلى استخدام ورقة النفط والممرات البحرية في خنق السوق العالمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هرمز عن باب المندب واليمن؛ فمع تنامي التقارب السعودي-الباكستاني-التركي، وما يرافقه من محاولات لنقل ثقل المواجهة إلى الساحة اليمنية، يبقى احتمال إغلاق باب المندب أو تهديد الملاحة فيه ورقةً محتملة يمكن أن تخدم الموقف الإيراني، وتوسّع نطاق الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها، بدل حصر المواجهة في الخليج.
وتزداد أهمية هرمز مع إعلان طهران، في 5 أغسطس الجاري، التوصل مع مسقط إلى تفاهم بشأن الإحداثيات الجغرافية لممر ملاحي مقترح لعبور السفن التجارية؛ وهو تطور قد يفتح هامشًا جديدًا للمناورة الإقليمية إذا تحوّل إلى ترتيبات عملية، ويضيف إلى معادلة هرمز بعدًا تفاوضيًا يتجاوز خيارَي الإغلاق الكامل أو الانفتاح الكامل.
لكن المفارقة الأبرز أن واشنطن تقول إن القدرات الإيرانية انهارت والنظام يقترب من السقوط، بينما تحشد في الوقت نفسه دول المنطقة، وتهدد الصين، وتوسع العقوبات، وتبني حصارًا اقتصاديًا متعدد الجبهات. فإذا كان الخصم على وشك الانهيار، فلماذا كل هذا الحشد؟
هنا تكمن عقدة المرحلة المقبلة.
وأخيرًا، نجاح “النورمندي الاقتصادي” قد يدفع إيران إلى أخطر أزماتها الداخلية، فيما فشله يعني تجاوزها الحرب والحصار والعقوبات واستنزاف واشنطن أحد أثقل أسلحتها، بما يضيّق هامش تنفيذ الأجندة الإسرائيلية التوسعية في الإقليم تحت مظلة “اتفاقيات أبراهام”.
أما السيناريو الأخطر، فهو أن يفشل الخنق في إسقاط النظام، فتختار طهران كسر الطوق بالقوة؛ وعندها قد تنفجر الحرب إقليميًا من جديد، وتتسع دوائرها بما يتجاوز قدرة أي طرف على ضبط مساراتها أو نتائجها.
22 أوغسطس 2026