قراءة في كتاب ” الحدود : المعنى الآخر لحرب الخليج” لمحمد رشيد الفيل. (1)!
( 1 – 3 )
علي رهيف الربيعي*
في كتابه المهم ” الحدود – وجهة نظر جغرافية جيوبوليتيكة، استعراض وتحليل تاريخيان لنشأة امارة الكويت وتبعيتها العثمانية. لولاية البصرة ، والحماية البريطانية لها منذ اكتشاف البترول، ثم مراحل تطور العلاقات العراقية – الكويتية حتى أحداث آب ( أغسطس) 1990 فحرب الخليج الأمريكية على العراق.
ويتصدر كتاب الفيل الشعار التالي، الذي يشكل الفكرة الجوهرية الكبرى لتقييمات الكتاب :
” الحدود : قنابل موقوتة تهدد دوما بالنفجار أو سلام دائم”. ويعتقد المؤلف بالحكمة الغربية : ” إذا ظلم فرد من أفراد مجتمع ما، فسوف يأتي الوقت الذي يمتد فيه الظلم وانتفاء العدل إلى كل المجتمع”، وينطبق على أفراد المجتمع القطري، الواحد أو على احد افراد الاسرة العربية، وهو في حالتنا العراق وشعبه الصامد. ان الفيل ذو نفس عروبي فهو لا يؤمن بالحدود بين الاقطار العربية التي تحول دون الاتصال المباشر للشعب العربي، بل ” إن إيماني المطلق – الذي لا يتزعزع مهما حصل أو قيل ومهما كانت الظروف ان تكتب لنا حياة كريمة مستقلة ومستقرة بين القوى والتكتلات الحديثة والصراعات الدولية الراهنة إلا باتحادنا” ( من المقدمة). فعالم القرن الحادي والعشرين ليس عالم الدول الصغيرة أو ” القزمية ” العاجزة عن حماية نفسها والمحتاجة إلى حماية خارجية مستمرة.
وتشير احصائيات نادي روما ان اي بلد في القرن الحادي والعشرين يقل عدد سكانه عن 150 مليون نسمة لا مستقبل له. ولهذا يجب أن تتوحد جهودنا من صراعنا الحالي ونقف يدا واحدة أمام التحديات المختلفة : الغذائية والسياسية والعسكرية والثقافية … إلخ، التي تكاد تودي باستقلالنا، وتعمل على نهب ثرواتنا واغتصاب اوطاننا ومصادرة حرياتنا ، أن كل قطرة دم عربي تراق ، بغير حق، استعداء على الأمة العربية، وهدر لكرامتها، وهي غالية الثمن لا تعوض. لأن الإنسان العربي هو أثمن ما على أرض العرب الطيبة… فالإنسان هو الأصل ، فإن صلحت احواله أغنى الأرض وأغنته وإن فسدت أموره ضاقت به الأرض بما رحبت.
ويواصل الفيل في مقدمته :
” إن جميع سكان الوطن العربي اشقاء أو أبناء عمومة تجمعهم الهوية الواحدة المشتركة، والشعور بالانتماء إلى وطن واحد، يجب عليهم التعلم والتدرب على حل مشاكلهم فيما بينهم بالحكمة والعقل، وإن يسبق العقل دوما ، اتخاذ القرار والتنفيذ، وعدم الاستعانة بأحد، وخاصة الدول الأجنبية، سوى بالشعب العربي والشعوب الإسلامية، وإن حصل اي سوء تفاهم، مهما كانت درجته ومداه يجب قبره في المهد، والتعاون على إيجاد الحل المناسب له والقضاء على اسباب. الاختلاف ، ويكون العدل وحقن الدماء هدفنا دوما “. فالقوى الخارجية تطمع في الموقع الاستراتيجي لبلداننا ومن نفطنا الرخيص وفوائض الأموال العربية والخيرات العربية الكثيرة والمنوعة.
ولقد كانت الأهداف الانكلوسكسونية في منطقتنا ومنذ القرن الماضي، السيطرة على طرق المواصلات، وبعد اكتشاف النفط، بسط اليد على منطقة احتياط نفطي مؤكد يصل حوالي 62 بالمئة من الاحتياطي البترولي العالمي. وكانت التصريحات الأمريكية قبل حرب الخليج قد اعترفت بالرغم من كل المناورات والاضاليل الأمريكية بأن الهاجس النفطي هو المحرك الأول للتحرك الأمريكي المعادي للعراق، ويقترن به هاجس ابقاء التفوق العسكري الإسرائيلي الذي اعتبروا ان القوة العسكرية العراقية ستخلخله… ومما قيل عهد ذاك ” إن احتلال الكويت ليس بحد ذاته تهديدا للمصالح الأمريكية ، وإنما في حيازة العراق على أكثر من 20٪ من ثروات النفط العالمي”، وقال وزير ماليتهم براون إن العراق سيحصل على أرباح نفطية تقدر بحوالي 20 مليون دينار في اليوم من الإنتاج الكويتي، ويملك العراق حاليا 20 ٪ من احتياطي النفط المعروف في العالم.
فالولايات المتحدة، كما يقول الدكتور الفيل” كانت دوما على أتم استعداد للحرب من أجل الخليج ونفطه”.
يرى المؤلف انه نظر لعدم وجود مظاهر طبيعية واضحة ومميزة تفصل بين اقطار الوطن العربي ، لذلك فقد رسمت الحدود اعتباطا تنفيذا لمخططات واغراض واستراتيجية رسم تلك الحدود. ” فلم تلتفت كل من بريطانيا وفرنسا عند رسمها للحدود إلى الجوانب البشرية والاقتصادية والعمرانية لهذه الاقطار. لذلك خرجت هذه الحدود وهي عبارة عن قنابل موقوتة لا تحتاج إلى الكثير من الوقت أو الجهد لتفجيرها. ولا شك بأن جميع مشاكل الشرق الأوسط الحالية تركة ورثناها من مخططات الدول الاستعمارية “. فالكثير من المشاكل الراهنة ناجمة عن عواقب الفترة الاستعمارية التي اعقبت اندحار العثمانيين في الحرب العالمية الأولى وتصفية مستعمراتها في اتفاقية سايكس – بيكو .” ولقد تم تقطيع الوطن العربي وخلق مجموعة دول قبلية صغيرة كالتي في شرق الجزيرة العربية ” التي وصفها ” سايل ميري” بأنها ” مجموعة مشيخات قرون اوسطية خرجت من بطن الليالي، الف ليلة العربية” وجاءت حدود الاقطار الخليجية ” وليدة النزعة البريطانية لخلق أوضاع يمكن أن توفر الأسباب لمواصلة البقاء أو العودة. فلقد تم تقسيم شرق الجزيره العربيه إلى مجموعة دويلات قبلية لا ينطبق عليها المفهوم الحديث للدولة ، وارتبطت معها باتفاقيات بشرية لحمايتها والدفاع عنها عند الحاجة والطلب ” وهذا ورد النص في جميع الاتفاقيات بين بريطانيا وهذه الدول، وها هي تعود بريطانيا مع حرب الخليج بمعية واشنطن وكشريك ثانوي منحسر السلطان القديم.
(1) الدكتور الفيل أخصائي عراقي معروف بالجغرافيا ومن زملاء الدكتور جمال حمدان في جامعة ريدانك. واستاذ اعيرت خدماته لجامعة الكويت منذ 1968 لغاية آب 1990. وله أكثر عشرين مؤلفا جادا منها ” العراق” و” الأهمية الاستراتيجية للخليج العربي ” وغيرها من المؤلفات ومئات الأبحاث والمقالات المتنوعة. والدكتور الفيل وطني عراقي أصيل وعروبي وحدوي يؤمن بأن قدر العرب وطريق تقدمهم في تجمعهم وتوحدهم.
يتبع..
2026 /08 /16