هل تكفي شرعية الماضي لشرعنة الحاضر؟
في نقد الخلط بين العقد السياسي التاريخي وإعادة تشكيل الجماعة الفلسطينية
غانية ملحيس*
أشكرالدكتور محمد قاروط أبو رحمة على مواصلة هذا الحوار، الذي انتقل من النقاش حول الانتخابات بوصفها استحقاقا سياسيا إلى سؤال أكثر تأسيسا يتعلق بعلاقة الانتخابات بالعقد السياسي الفلسطيني، وبالشروط التي تمنحها معناها وشرعيتها.
وإذ أتفق معه في قراءته لجانب مهم من التجربة التاريخية الفلسطينية؛ وبأن منظمة التحرير الفلسطينية اكتسبت شرعيتها التاريخية بوصفها الإطار الوطني الجامع والممثل للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده داخل الوطن والشتات، وفقا للعقد السياسي الذي جسده الميثاق القومي الفلسطيني عند تأسيسها.
فالشعب الفلسطيني، بوصفه الجماعة الوطنية صاحبة الحق في تقرير مصيرها، هو صاحب الحق الحصري في منح شرعية القيادة والتمثيل، وفي تحديد شروط استمرارها وتجديدها، بما يضمن الالتزام بوحدة الأرض والشعب والقضية، وبالهدف الوطني بالتحرر والعودة وتقرير المصير، وانتهاج كافة أشكال النضال لبلوغه بالسرعة القصوى والكلفة الدنيا. وبمعنى آخر، فإن الشرعية التاريخية لا تُستدعى بوصفها تفويضا دائما منفصلا عن شروطها، بل تبقى رهنا بالالتزام بالعقد السياسي وبالمشروع الوطني التحرري.
وعليه فإن الاختلاف الجوهري مع الدكتور محمد ابو رحمة يكمن في:
أولًا: الخلاف ليس حول التاريخ، بل حول الحاضر
الاختلاف مع الدكتور محمد أبو رحمة لا يتعلق بما إذا كانت العقود السياسية تتطور تاريخيا عبر الممارسة؛ فهذا أمر لا خلاف عليه. فالشعوب لا تعيش عقودها السياسية كوثائق جامدة، بل تعيد إنتاجها عبر النضال والمؤسسات والتحولات التاريخية.
لكن السؤال الأهم هو: هل تستطيع أي مؤسسة، في أي سياق، أن تنتج عقدا سياسيا جديدا بمجرد إعادة انتخابها أو تجديد شرعيتها؟
هنا يكمن خلاف جوهري بين مقاربتينا: فالمؤسسات الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها منظمة التحرير، لم تكتسب شرعيتها لأنها سبقت العقد السياسي أو حلّت محله، بل لأنها عبّرت عن جماعة سياسية كانت قد تشكلت حول تصور وطني جامع: شعب فلسطيني واحد في كافة اماكن تواجده داخل الوطن وفي الشتات، له حقوق وطنية وتاريخية ثابتة غير قابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير.
بمعنى آخر، لم تكن المؤسسات هي التي خلقت الجماعة السياسية من العدم، بل كانت إطارا سياسيا جسّد وجودها وساهم في تطويره.
إن الخلط بين دور المؤسسات في تطوير العقد السياسي، وبين قدرتها على إنشاء جماعة سياسية جديدة هو جوهر الإشكال. فالمؤسسات تستطيع أن تجدد التمثيل داخل الجماعة السياسية القائمة، لكنها لا تملك حق إعادة تعريف هذه الجماعة، أو تحديد من يدخل فيها ومن يخرج منها.
ولا أختلف مع أن المؤسسات يمكن أن تسهم في تطوير العقد السياسي، لكن هذا لا يجيب عن السؤال المطروح. فالأمثلة التي استند إليها مقال الدكتور محمد أبو رحمة، كانت مؤسسات تعمل داخل عقد سياسي يعرف مسبقا من هو الشعب الفلسطيني، وما هي الحقوق المؤسسة لهذا الشعب.
أما السؤال اليوم فهو مختلف: هل تستطيع مؤسسة تعمل داخل قواعد قانونية وسياسية جديدة أن تعيد تعريف هذا الشعب نفسه؟
إن الفرق كبير بين تطوير عقد سياسي قائم، وبين إنتاج عقد جديد يعيد رسم حدود الجماعة الوطنية.
ولهذا فإن الدعوة إلى مراجعة شروط الانتخابات والهيئة الناخبة والقواعد القانونية ليست دعوة لتعطيل التطور السياسي، بل محاولة لمنع تحويل أداة التمثيل إلى أداة لإعادة تعريف الممثلين أنفسهم.
فالانتخابات قد تكون وسيلة لتجديد العقد السياسي، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلا عن السؤال السابق عليها: من هي الجماعة السياسية التي تمنحها شرعيتها؟
ثانيا: هل يكفي وجود منظمة التحرير لإثبات استمرار العقد السياسي؟
القول بأن منظمة التحرير كانت تجسيدا لعقد سياسي وطني تاريخي هو قول لا اختلاف ولا خلاف عليه. فقد شكلت المنظمة، منذ تأسيسها، الإطار الذي جمع الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، ورسخت تعريف الشعب الفلسطيني بوصفه جماعة سياسية واحدة، لها حقوق وطنية محددة، وفي مقدمتها الحق في التحرر الوطني والعودة وتقرير المصير، وهذا ما أكسبها شرعية قيادته وتمثيله.
غير أنه لا يمكن بحث هذا السؤال بمعزل عن التحول المؤسسي والسياسي الذي طرأ على النظام الفلسطيني منذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994. فالمسألة ليست تقييم اتفاق أوسلو في ذاته، إذ يخرج ذلك عن نطاق اهتمام هذا المقال، بل النظر إلى أثره على العلاقة بين الإطار الوطني الجامع، المتمثل في منظمة التحرير، وبين مؤسسة حكم ذاتي نشأت بوظيفة انتقالية، ومحدودة جغرافيا، وسياسيا، وزمنيا.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل بقيت البنية السياسية والمؤسسية القائمة تعمل ضمن العقد الوطني الذي تأسست عليه منظمة التحرير؟ أم أن التحولات التي طرأت على النظام السياسي الفلسطيني أدت تدريجيا إلى انتقال مركز الفعل والتمثيل إلى إطار مختلف من حيث الوظيفة والجغرافيا وطبيعة الصلاحيات؟
فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل كانت المنظمة تجسيدا لذلك العقد السياسي؟
بل: هل ما تزال البنية السياسية والقانونية والمؤسسية القائمة تعمل وفق ذلك العقد، وتحافظ على شروطه ومضامينه؟
وهل تستطيع، في الوقت ذاته، البنية الحالية لمنظمة التحرير أن تستوعب التحولات العميقة التي أصابت الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني خلال العقود الأخيرة، وأن تعيد تجديد دورها الجامع على أساس مشاركة وطنية حقيقية؟
وهذا سؤال مختلف لم يناقشه الأستاذ أبو رحمة. فالعقود السياسية لا تستمر بمجرد استدعاء شرعيتها التاريخية، بل باستمرار قدرتها على التعبير عن الجماعة السياسية التي أنشأتها، وعلى حماية الحقوق التي قامت عليها، وعلى تجديد مؤسساتها وفق مشاركة حقيقية لكل مكوناتها.
استعادة العقد الوطني الذي منحها أصلا صفة الإطار الجامع.
للمزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/95428
11/7/2026