الحملة على الفاسدين تربك القطيع!
اضحوي جفال محمد *
قبل الدخول في صلب الموضوع أود تحديد بعض المصطلحات في قاموسي الخطابي: أعني بالقطيع جمهور الارهاب. وأعني بالإرهاب جميع الحركات الدينية المتطرفة التي تكفّر الناس وتستبيح الدماء، لا استثني منها إلا الحركات الدينية التي تعادي الصهيونية وأمريكا عداءََ فعلياً. لذلك انصح المتابعين الذين لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من القطيع بشكله هذا أن يتنحّوا جانباً حرصاً على سلامتهم من شظايا المساجلات، ومن يتجاهل نصيحتي نرحب به داخل الحلبة.
من علامات القطيع أنه لا يجد غضاضة في الانتقال من النقيض إلى النقيض حتى بدون مقدمات وتبريرات. ففي السنوات الاولى من الاحتلال الامريكي لبلادنا وصم هذا القطيع كل من يتعامل مع الامريكان بالعمالة والخيانة واستحقاق القتل. ثم وخلال بضع سنوات أطلق تلك الأوصاف ذاتها على من يقف في الخط المعادي لأمريكا والرافض لوجودها، وهو الان يدعو لها آناء الليل وأطراف النهار أن تنتصر. وكان يعتبر الأكراد عدوّاً وجودياً له فانقلبوا بقدرة قادر إلى واحدة من أهم مرجعياته.
ومن علامات القطيع ايضاً أنه مُداجٍ بدرجة لا وجود لها إلا في عالم التمثيل. فهو على سبيل المثال يؤكد دائماً وبإصرار انه مع قضية فلسطين وانه يحلم بتحررها وزوال اسرائيل، لكنه في نفس الوقت، وبنفس الجلسة، يعلن دون مواربة أنه ضد كل من يساند مقاوميها من دول وحركات وشخصيات. حتى الشخصيات الغربية المتعاطفة مع فلسطين يكرهها، ويكره المعارضة الاسرائيلية لظنه بأنها ستكون متهاونة لو استلمت الحكم.
هذا القطيع يقول باستمرار انه ضد الفساد، بل ان دعايته المعادية للنظام السياسي في العراق تقوم أهم ركائزها على موضوع الفساد. فهل تراه يفرح تلقائياً عند سقوط أحد الفاسدين؟. القضية هنا تحتاج تدقيقاً يتعلق بالهوية الطائفية للفاسد، والمستفيدين او المتضررين من سقوطه، وتأثير ذلك المستقبلي على السردية البائسة المتعوب عليها منذ سنين طوال.
الان استيقظ القطيع صباحاً على خبر اعتقال مسؤولين فاسدين، فلم يفرح او ينزعج تلقائياً لانعدام البراءة في روحه. كل فرد فيه لبنة من بناء دولي هائل ومصطنع تعمل فيه المشاعر بالإيجار دون ان تدري. فاستسلم لبرهة عصف ذهني بحثاً عن بارقة موقف. المعتاد في مثل تلك الساعة ان تصدر اجتهادات من بعض الناس فيشيع بعضها لملاءمته دخائل النفوس. وقال قائل ان جميع المعتقلين سنّة، فهبّت النخوة الطائفية وانتشر السخط انتشار النار في الهشيم. وقبل صلاة الظهر كان القطيع معبّأََ للدفاع عن الفاسدين.. لكن تبيّن بعد قليل أنهم لا يتوضأون جميعاً بنفس الطريقة، لا سيما وأن أم حسين (عالية نصيف) أشهر من نار على علم ولم يكن في القطيع على اتساعه مَن لم يشتمها في أحد الايام!. هنا أصيبت الهبّة بالفتور ليس لهذا السبب فقط وانما لتواتر الاخبار عن مشاركة كردستان والـ FBI في الحملة، فالموت ولا الوقوف بالاتجاه المعاكس لأمريكا وكردستان. ثم ان الدفاع عن الفاسد عمل يصعب تبريره اخلاقياً ومنطقياً؟. يضاف إلى ذلك ان قنوات الخليج التي طالما اعتبرها القطيع مصدر التعليمات اخذت تفرد مساحات واسعة من بثها لتغطية الخبر، فماذا على القطيع أن يفعل!.
لم يكن ذلك كله كافياً للإعلان عن موقف قطيعي حاسم ضد الفساد، والسبب أن مؤازرة العملية تعني فيما تعني تبجيلاً للنظام السياسي تعاهد القطيع منذ زمن طويل أن لا يقترفه. ولا بد أنكم تذكرون اولئك الذين عاشوا مرارة قاسية يوم نظمت البصرة مونديال خليجي 25. هم نفسهم الذين أُحبطوا يوم افتتاح معبر ربيعة مع سوريا، وبحثوا عما يشوب ذلك الحدث التاريخي فلم يجدوا سوى بقعة ماء في الجانب العراقي من المنفذ طولها ثلاثة أمتار وعرضها متران فحولوها إلى الحدث الابرز لعله يطغى على فتح الحدود بين بلدين عربيين.
القطيع حزم أمره منذ عقد وقرر ان الانتخابات مزورة بغض النظر عمّن يفوز بها ومن يفشل. هذا القرار التاريخي كان لا بد منه للمطالبة باسقاط العملية السياسية كاملة ومعاقرة الاحلام بفاتحين جدد يأتون من وراء الحدود لـ (تخليصنا) من حكومة (المحاصصة والفساد)، فإذا اعترفنا بأنها تحارب الفساد أسقطنا سبب الدعوة لاجتثاثها.
القطيع دايخ لحد الان، ينتظر عبقرياً يجمع كل هذه التناقضات في بوتقة واحدة تصلح أن تُعتمد للمرحلة القادمة.. والى أن يولد ذلك المنظّر الفذ ويتحفنا بنظريته الجامعة المانعة سيبقى القطيع يدور في مكانه بشكل يثير الشفقة.
( اضحوي _ 2404 )
2026-07-06