أوهام الإصلاح وضرورة الحركة الثورية!
جمال الطاهات
وهم وتناقض الدعوات الإصلاحية:
يتمسك بعض الأردنيين “بوهم” إمكانية الإصلاح، ويتجاهلون الحصاد البائس لكل المحاولات والدعوات الإصلاحية في الأردن على مدى عقود. وبدلاً من الانخراط بالمشروع الثوري الذي يبني المستقبل، يكتفون بتحذير المستبد الفاسد وعائلته من ثورة مستقبلية. ببساطة هناك تناقض شكلي، وعدم انسجام واضح بين رؤية المسكونين بأوهام الإصلاح من حيث إن الممارسات الراهنة للعصابة الحاكمة ستؤدي للثورة، وبين موقفهم في عدم الانخراط بالمشروع الثوري. في المقابل، يتجاهل المستبد الفاسد وعائلته، الدعوات والتحذيرات من تبعات ممارساتهم.
دعاة الإصلاح يريدون موقف يجنبهم التلوث في ممارسات المستبد الفاسد وعائلته، وفي ذات الوقت تجنب دفع فاتورة الخيار الثوري والمشاركة في صياغة وتطوير الحركة الثورية. في حين تتمسك العصابة الحاكمة الفاسدة بخيار القوة في التعامل مع خصومها، ويريدون أن يحكموا كما يريدون بغض النظر عن مصالح الناس وقيمهم ووجدانهم. وقد عبر المستبد الفاسد في أيامه الأولى في الحكم، عن موقف العصابة الحاكمة، بتكرار عبارة نقلها عنه العديد من الأشخاص بقوله: “بدي أعمل الي بدي إياه، والي بفتح تمه بسكرلو إياه”.
الميزة الوحيدة للمتمسكين بوهم الإصلاح في الأردن أنهم، بما يطلقونه من تحذيرات، يعترفون بموضوعية الثورة وحتميتها في الحالة الأردنية. فهم بمقدار اعترافهم بأن الممارسات الراهنة للعصابة الحاكمة ستؤدي حتماً إلى الثورة، إلا أنهم يحرمون أنفسهم فرصة المساهمة في صياغة البديل الثوري. في المقابل فإن تحذيراتهم ترفع نسبة الخوف لدى المستبد الفاسد وعائلته، وتدفعهم لتبني خيارات الاعتماد على القوة العارية والتوسع باستخدامها. وهذه هي المعادلة النموذجية التي تسرع بزيادة عدد المتحررين من أوهام الإصلاح. فالقمع والاستبداد هما المرجل الذي يطبخ الظروف لميلاد الثورة.
نظرية الثورة في العصر الحديث
بريان كروزوير، مؤلف كتاب “الثائرون”، وهو أحد أبرز الخبراء الاستراتيجيين غير الأكاديميين في القرن العشرين، محرر نشرة دورية باسم (دراسات الصراع: Conflict Studies)، وبالرغم من عدائه للشيوعية، تبنى المقولة الماركسية أو ما هو قريب منها. حيث يقول ماركس بان وعي البؤس وليس البؤس نفسه هو ما يصنع الثورة. وكوزوير تبنى موقف يطابق موقف اليكسيس دي توكفيل، بان اليأس من التغيير السلمي عبر الإصلاح، هو الوقود الحقيقي للثورة. وكلاهما أكد أن النظم الاستبدادية، مهما بلغت قوتها وشدة قمعها وبطشها، لا تستطيع أن تحكم شعب يائس من قدرتها على حل مشاكله. فالثابت تاريخياً، بأن عجز النظم السياسية عن التطور، مهما بلغ قمعها وقدرتها على ممارسة هذا القمع، سوف تسقط تحت مطرقة الخيار الثوري.
والنقطة المشتركة بين دارسي الثورات، وبغض النظر عن انتمائهم الأيديولوجي، تتمثل في ضرورة وجود حركة ثورية، تفتح الطريق لوعي البؤس الراهن، وتحول التحرر من وهم التحولات الإصلاحية إلى وقود للتغيير، وفتح الطريق نحو مستقبل أفضل. فالحركات الثورية هي من ينقذ المجتمعات من يأسها من الإصلاح السلمي، كما أن الحركات الثورية التي تستند إلى رؤية موضوعية للواقع والمستقبل تحمي المجتمعات من أن يتحول اليأس إلى حالة عدمية، تؤدي إلى تدمير المجتمعات لنفسها.
وفي إحدى مقالات دورية دراسات الصراع بعد عام 1975، ولتوضيح أهمية الحركات الثورية في حماية المجتمعات من التفكك والانهيار، يقارن الكاتب بين (الانهيار على الذات: Implosion) بفاعلية عوامل اليأس وغياب الخيارات الموضوعية وانتشار الحالة العدمية، و(الانفجار: Explosion) من حيث هو تحويل للطاقة ضد خصوم الشعب وجلاديه. فالحركات الثورية تقوم بمهمة مزدوجة، تحمي المجتمعات من تبعات اليأس والانحدار نحو التدمير الذاتي، وتعمل على تحويل شحنة الرفض لنظام المستبد الفاسد إلى وقود هائل للتغيير نحو الأفضل.
الحركات الثورية تحقق أهدافها بمجرد ميلادها
أياً كان حصاد الصراع الثوري مع الاستبداد والفساد، فإن النتيجة هي أن النظم الاستبدادية تتغير تحت مطرقة الثورات، أو تسقط ويقطع رأس الملك بالميادين العامة. وهذا هو حال بريطانيا، التي جاءت جمهورية كرومويل لتقول بشكل حاسم، إما المضي بالإصلاح، وتغير النظام، أو ان الجمهورين سيقطعون رأس الملك مرة أخرى. فقد أثبتت حركة الشعوب قدرتها على قطع رأس الملك.
الثابت تاريخياً أن الملوك لا يصلحون إلا بتأثير الخوف من فقدان الحكم وقطع رؤوسهم في الميادين العامة. تاريخ أوروبا مليء بالأدلة التي تؤكد أن الإصلاحات كلها جاءت حتى يتجنب المستبدون مصائر مخيفة لهم ولأسرهم. فلم تبدأ السويد ببرامجها الإصلاحية والديمقراطية إلا بعد ثورة عام 1929، والخوف من مصير المستبدين الآخرين مثل أل رومانوف في روسيا، حيث أُعدم نيقولا الثاني مع كل عائلته.
لقد نجح آل برنادوت، وهم أسرة فرنسية الأصل تحكم السويد منذ عام 1810، في البقاء في الحكم، وتجنب مصير آل رومانوف في روسيا، بفاعلية ثلاث عوامل: الأول أنهم لم يتلوثوا بخيانة الشعب السويدي والعمالة لأعدائه، والثاني أنهم لم يتطاولوا على دماء السويديين وكرامتهم، والثالث هو عدم لجوئهم للخداع والمراوغة في التعامل مع مطالب الشعب السويدي. وهناك حوارات مطولة حول تحول آل برنادوت إلى أيقونة في العالم، ليس بسبب أكاذيبهم وتبجحهم وحيلهم، ولكن من خلال الصدق في التعامل مع الشعب، والموضوعية في تصورهم لذاتهم.
وإذا أبعدنا في التاريخ، فإن سليمان بن عبد الملك، تنازل عن الحكم لعمر بن عبد العزيز، على أن تكون ولاية عهدة ليزيد بن عبد الملك، طمعاً في استعادة صورة آل مروان في مواجهة الحركة الثورية التي بدأت بنقد سلوك الخلفاء. وجاء هشام بن عبد الملك بعد فترة قصيرة من حكم يزيد ليحول إصلاحات عمر بن العزيز المالية والسياسية إلى منجزات إدارية وتنظيمية.
ما نراه اليوم من نظم ديمقراطية واقتصاديات مزدهرة هي ببساطة منتج للحركات الثورية. فالحركات الثورية التي ناضلت بشكل واضح من أجل معادلات جديدة لتوزيع السلطة والثروة، حققت أهدافها، إما بإسقاط الأنظمة التي ثارت ضدها، او بقبول هذه الانظمة المضي بإصلاحات جدية، متخلية عن احتكار السلطة والثروة، ومتخلية أيضاً عن وهم القدرة على حكم الشعب بالقوة والخداع. فالحركة الثورية تنتصر بمجرد انبثاقها.
من عمان إلى تونس وبالعكس
انتهت هبة نيسان عام 1989 باعتراف النظام بالمطلب الشعبي. وتم تحميل المسؤولية لرئيس الحكومة، وقال الملك بخطابه الأول بعد الهبة، “بان ما جرى من خصائص الشعوب الحية”. وبدأت مرحلة إصلاحية واعدة، إلا أنه تم التراجع عنها بعد أن غاب الخيار الثوري. وتجلت الخديعة بتزامن الإصلاحات الأولية مع برنامج لتصفية الحركة الثورية في الأردن.
مسيرة المرحوم ليث شبيلات توضح إصرار النظام على تجاهل الأصوات الإصلاحية. فبعد خروجه من السجن، تبنى خطاب عالي النبرة على حواف الموقف الثوري، وتحول إلى مركز استقطاب سياسي استثنائي في تاريخ الأردن. ولكن بعد بيانه في مجمع النقابات، بتمسكه بالنظام، فقد تأثيره على كل من النظام والمعارضة في ذات الوقت. وكانت محاولته الأخيرة، قبل وفاته بوقت قصير، بأن يحصل على تفويض شعبي لمنح دعواه الإصلاحية وزناً شعبياً. وبالرغم من نصف مليون فوضوا ليث شبيلات ليتحدث باسمهم، ولكن لم يكن هناك طرف في النظام لديه الاستعداد لمناقشة أي خيار إصلاحي.
في تونس حاول الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ممارسة نفس الخديعة على الشعب التونسي، وقال للثوار في تونس، “الآن فهمتكم”، وهي بالمناسبة ذات العبارة التي استعملها ديغول في مخاطبة الشعب الجزائري قبل موافقته على مطلبهم بالاستقلال. لكن بن علي لم يبذل جهدا لفهم أحلام التونسيين ومطالبهم قبل اندلاع ثورة الياسمين، التي لم تنطل عليها الحيلة ولم تبلع طُعم الخديعة، فاستمرت الثورة حتى سقوط بن علي وفراره. كما استمرت قبلها ثورة الجزائريين حتى الاستقلال، ولم تنته بإعلان ديغول الفهم أو التفهم.
أخيراً،،،
خطاب الواهمين بالإصلاح، بالانطلاق من مصلحة المستبد الفاسد وعائلته لتبرير دعواهم الإصلاحية، يقلب هرم التطور السياسي. فهم يعتمدون مصلحة العائلة بديلاً لمصلحة الشعب، وهذا يفرغ خطابهم من قيمته السياسية والتاريخية، ويعرضهم لمهانة تجاهل المستبد الفاسد لنصائحم. ببساطة ليس دور أي مواطن أردني أن ينصح المستبد الفاسد وعائلته، وأي تجميل لممارساتهم يديم الخديعة ويديم الهيمنة الإسرائيلية على الأردن.
جل ما يمكن أن يقوم به المستبد الفاسد، او من سيأتي من بعده، بفاعلية تقدم الحركة الثورية في الأردن (وليس بفاعلية نصائح المصلحين) أن يتخلى عن خزعبلاته بأن لديه “رؤيا” للإصلاح السياسي والاقتصادي، وأن يعترف شكلياً بالمطلب الشعبي، ولكنها ستكون خديعة جديدة. فتجارب الماضي مع هذه العائلة تؤكد أنهم لن يتخلوا عن السلطة والموارد ويردوا الدولة للشعب إلا مجبرين. وكل ما صدر (أو سيصدر عنهم) مجرد أقنعة تساعدهم على الاستمرار بخداع الشعب الأردني.
وحتى لا تتكرر قصص الخديعة، من الضروري تطوير حركة ثورية تعتمد الوسائل السلمية قادرة على تعبئة قدرات الشعب الأردني لاستعادة دولته سلطة وموارد بشكل كامل، ودون مساومة ودون تأخير. النظام الذي يكمم أفواه الأردنيين لا يريد أن يفهمهم، ولن يفهمهم، ولن ينقذ الشعب الأردني من الخديعة الا المشروع الثوري، الذي ينتصر بمجرد ميلاده.
2026-06-24