تطورات مثيرة للجدل بشأن إيران: بين إعادة الإعمار والملف النووي ومستقبل المنطقة!
بقلم: بكر السباتين
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية من إعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية، في ظل تصاعد الحديث عن تفاهمات أمريكية–إيرانية غير معلنة تتجاوز حدود الملف النووي إلى قضايا النفوذ الإقليمي والترتيبات الأمنية ومستقبل الصراعات المفتوحة في المنطقة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن النقاش الدائر في واشنطن لم يعد يقتصر على كيفية التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، بل بات يتناول شكل النظام الإقليمي المقبل وحدود النفوذ الإيراني ومآلات الأزمات الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط، ومحاصرة مشروع الشرق الأوسط الجديد بالمعايير الإسرائيلية.
تعويضات إعادة الإعمار… من يتحمل الكلفة؟
عادت إلى الواجهة تسريبات وتقارير إعلامية تحدثت عن تصورات أمريكية لتمويل إعادة إعمار ما تضرر داخل إيران نتيجة المواجهات الأخيرة، بتكلفة قد تصل إلى نحو 300 مليار دولار، ضمن “صندوق استثماري” وحزمة حوافز اقتصادية مشروطة بالتزام إيران التام بالاتفاق النووي، وأكد نائب الرئيس الأمريكي “جيه دي فانس” أن الصندوق يُموَّل من استثمارات القطاع الخاص إلى جانب مساهمات محتملة من بعض دول الخليج ضمن إطار سياسي وأمني أوسع.
وقد أثارت هذه الطروحات جدلاً واسعاً أّدّت إلى تنكر ترامب (الذي اتهمه الإسرائيليون بالخيانة)، لما صرح به فانس؛ إذ يرى منتقدوها أن تحميل دول الخليج أعباء مالية بهذا الحجم يطرح أسئلة سياسية وأخلاقية مشروعة، خاصة أن قرار المواجهة العسكرية لم يكن قراراً خليجياً مباشراً، وإنما جاء بقرار أمريكي إسرائيلي مباغت. فيما أثيرت تساؤلات حول طبيعة الضمانات الأمنية والسياسية التي يمكن أن تقدمها طهران مقابل أي مساهمة مالية محتملة.
في المقابل، تذهب بعض التحليلات إلى أن أي دعم اقتصادي لإيران، إذا ما تحقق، لن يكون مفتوحاً أو غير مشروط، بل سيرتبط بحزمة تفاهمات تشمل الملفات النووية والأمنية والإقليمية، ضمن مقاربة تسعى إلى تحقيق قدر من الاستقرار طويل الأمد في المنطقة.. وهو مرهون بنوايا القيادات الأمريكية المتعاقبة ومدى الالتزام بالاتفاقيات المبرمة التي يسهل التراجع عنها من قبل الطرفين.
الملف النووي الإيراني… تعقيدات تحت الأرض
يظل الملف النووي في صدارة القضايا الخلافية بين واشنطن وطهران. فقد أثارت تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتماماً واسعاً عندما تحدث عن إمكانية التعامل مستقبلاً مع المواد النووية الموجودة داخل المنشآت الإيرانية المحصنة في أعماق التكوينات الجبلية.
وتزامنت تلك التصريحات مع تقارير إعلامية تحدثت عن إجراءات إيرانية هدفت إلى تعقيد أي محاولة مستقبلية للوصول إلى مخزون اليورانيوم المخصب أو التحقق من مصيره، عبر ردم أجزاء من مداخل الأنفاق والمنشآت الحساسة وتشديد الإجراءات الأمنية حول المواقع المرتبطة بالبرنامج النووي.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير وتحليلات نشرتها صحف أمريكية بارزة مثل نيويورك تايمز إلى أن الضربات العسكرية الأخيرة لم تُنهِ بصورة حاسمة القدرات النووية الإيرانية، بل دفعت دوائر صنع القرار الأمريكية إلى إعادة تقييم كلفة أي مواجهة واسعة مع طهران في ضوء مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية طويلة ومفتوحة.
كما حذر عدد من الخبراء والمسؤولين السابقين الذين استضافتهم هذه الصحف من أن المشكلة لا تكمن فقط في الوصول إلى المواد النووية، بل أيضاً في القدرة على التحقق من مصيرها بشكل كامل، واحتمال نقل جزء منها إلى مواقع أخرى غير معلنة، بما قد يفتح الباب أمام خلافات جديدة بشأن آليات الرقابة والتفتيش.
الترسانة الصاروخية… قوة لم تُحسم بعد
أما الملف الثالث فيتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية، حيث تشير تقديرات استخباراتية وإعلامية إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء مهم من بنيتها الصاروخية رغم الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب الأخيرة.
وتفيد هذه التقديرات بأن طهران تمكنت من إعادة تشغيل بعض المنشآت وإعادة تنظيم أجزاء من قدراتها العسكرية خلال فترة التهدئة، كما أنها ما تزال تمتلك نسبة معتبرة من مخزونها الصاروخي، بما يسمح بإعادة بناء قدراتها بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.
كما تحدثت تقارير متداولة عن وصول معدات أو منظومات عسكرية روسية الصنع إلى إيران، وإن ظلت طبيعة هذه المنظومات بعيدة عن التأكيد الرسمي.
ويرى عدد من الخبراء أن استمرار هذه القدرات يفسر جانباً من الحذر الأمريكي تجاه أي مواجهة جديدة، في ظل إدراك متزايد بأن الترسانة الصاروخية الإيرانية ما تزال قادرة على إحداث أضرار مؤثرة إذا ما تجدد الصراع.
غزة وجنوب لبنان… تفاوت واضح في الأولويات
لا تقتصر تداعيات أي تفاهم أمريكي–إيراني محتمل على الملفات النووية والعسكرية، بل تمتد إلى أكثر الساحات الإقليمية حساسية، وعلى رأسها جنوب لبنان وقطاع غزة.
غير أن قراءة مسار المفاوضات والتسريبات المتداولة تكشف تفاوتاً واضحاً في مستوى الاهتمام بين الملفين؛ إذ يبدو أن جنوب لبنان يحظى بحضور مباشر في حسابات التهدئة الإقليمية، بينما تتراجع غزة إلى هامش التفاهمات الكبرى.
وتشير تحليلات عديدة إلى أن واشنطن تسعى إلى تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود اللبنانية، بما يضمن استمرار وقف إطلاق النار، وتعزيز دور الجيش اللبناني والقوات الدولية، والحد من احتمالات اندلاع مواجهة واسعة بين إسرائيل وحزب الله.
أما غزة، فعلى الرغم من كونها الساحة الأكثر دموية وتأثيراً على الصعيد الإنساني، فإن حضورها في المفاوضات يقتصر، في الغالب، على ملفات الإغاثة وإعادة الإعمار، من دون أن تظهر القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً سياسياً مركزياً ضمن المقايضات المطروحة. ويعود ذلك إلى عدة اعتبارات، أبرزها وجود القيادة السياسية لحركة حماس في قطر، وارتهانها – ولو نسبياً – للإرادة القطرية، رغم موقفها المعارض للعدوان على إيران. ومع ذلك، فإن الدعم الإيراني قد يتخذ طابعاً سرياً، كما كان سائداً منذ السابع من أكتوبر.
كما أن غزة أصبحت خاضعة لشروط اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 9 أكتوبر 2025، والذي شهد سلسلة من الخروقات العسكرية المتواصلة من جانب “إسرائيل”، المدانة أمام كل من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وقد أدى ذلك إلى توقف مسار المفاوضات، وإتاحة المجال أمام التيار الدحلاني لتأسيس المشروع الذي كان يحظى بمباركة إسرائيلية منذ فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وبلغ ذروته مع الانقسام الفلسطيني عام 2007، قبل أن يتحول لاحقاً إلى تفاهمات سياسية وتنسيق أمني داخل قطاع غزة، بعد إبعاد محمد دحلان عن الساحة التنظيمية لحركة فتح.
ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه تمهيداً لعودة دحلان إلى المشهد، وهي عودة لا تحظى بترحيب واسع، حتى من بعض حلفائه الإسرائيليين الذين باتوا يراهنون على جماعات خارجة على القانون.
وفي هذا السياق، حذرت مراكز أبحاث أمريكية مؤثرة، من بينها مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومعهد بروكينغز، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، من أن أي ترتيبات إقليمية لا تتضمن معالجة سياسية حقيقية للقضية الفلسطينية ستظل هشة وقابلة للاهتزاز.
كما ذهبت بعض التحليلات المنشورة في الصحافة الأمريكية إلى أن اختزال غزة في بعدها الإنساني قد يؤدي إلى تأجيل الانفجار المقبل بدلاً من معالجة أسبابه السياسية العميقة.
خلاصة
ويبقى السؤال الأهم: هل تتجه المنطقة نحو تهدئة منظمة ومستدامة تعيد ضبط التوازنات الإقليمية، أم أن ما يجري ليس سوى إعادة تموضع مؤقت تمهيداً لجولة جديدة من الصراعات المؤجلة؟
2026-06-18