من تراثنا العربي
فرق الشيعة ( الحلقة 1 – 3)
عرض وتقديم : علي رهيف الربيعي*
وبعد تأسيس الدولة البويهية في العراق وفارس ( من القرن الرابع / العاشر إلى القرن الخامس / الحادي عشر)، وقيام الدولة الفاطمية في مصر ( من القرن الرابع / العاشر، إلى القرن السادس / الثاني عشر) صقلت عقيدة الشيعة وصقل فقههم وجرى صوغهما من جديد على أسس عقلانية. وبدأت حملة إعلامية واسعة لتأييد المذهب الشيعي. بيد ان هذه الحركة، التي لم تعوزها القوة ، انقسمت إلى ثلاث فرق فرعية رئيسية، لكل منها معيار عدلها الخاص بها مما أدى في النهاية إلى إضعافها كلها.
اول هذه الفرق فرقة الإثني عشرية (1)، وتعرف أيضا بالجعفرية ( نسبة إلى الإمام جعفر الصادق المتوفي 148 /765 وهو الإمام السادس). وهي أولى الفرق، وربما أنشطها في العالم الإسلامي . انتشر اتباعها من جنوبي العراق إلى بلاد فارس وما بعدها. وأخذت تتغلب تدريجيا على السنة في بلاد فارس حيث أصبحت العقيدة الرسمية في مطلع القرن العاشر / السادس عشر. واخذ علماء المعتزلة يحتلون المناصب منذ ايام الدولة البويهية، ولا سيما في عهد الوزيز المستنير الصاحب بن عباد 326 / 385 – 841 – 996) الذي كان بحق رجل علم وادب، مما أعطى حركة المعتزلة دفعا جديدا (2).
وإنما يرجع الفضل إلى علماء من أمثال ابن بابوية ( المتوفى 381 – 991)، والمطهر الحلي ( المتوفى 726 – 1326) والمجلسي ( المتوفى 1112 /1700)، في إعادة صيغة مذهب الشيعة في العدل والشريعة، وإقامة العقيدة على قاعدة صلبة. ولعل الحلي هو الذي عرض بمزيد من الوضوح والدقة مبادئ العقيدة الأساسية التي يمكن تلخيصها بما يلي :
1- يعتقد الشيعة ان علم الإنسان بالصفات الإلهية والمذاهب الأخرى ينبع من الوحي والعقل كليهما. وبينما يطالب السنة باستخدام العقل عبر ( الإجماع)، يفضل الشيعة إستخدام العقل عبر الاستدلال (3).
ولما كان الاستدلال حقا مقصورا على الإمام فقد طالب العلماء ( المجتهدون) بعد غيبة الإمام بممارسة الاستدلال ممارسة جماعية في كل أمور الدين والشريعة (4).
2- يعتقد الشيعة ، كما يفعل المعتزلة ، أن العدل صفة إلهية لا يتقدم عليها إلا جوهر الله ووحدانيته. ويتحدثون عن درجتين في العدل : إلهية وعقلية. الأولى تفيض من الله ، والثانية من العقل. بفضل العقل يستطيع المرء التمييز بين الخير والشر ، وينزع إلى العدل لا إلى الظلم (5). وكان ابن بابوية قد قال قبل الحلي بزمن بعيد إن الله اوصانا بالعدل، وهو يعاملنا ب ” التفضل” وهو أحسن من العدل (6) وكلاهما متفقان على أن العدل العقلي ليس مقدرا من الله.
3- الإنسان فاعل بالاختيار، وهو خالق أفعاله، العادل منها والظالم، وهو وحده المسؤل عنها . ولو وجب ان يخلق الله الظلم لكان ” أظلم الظالمين” (6). وفي رأي الحلي ان مذهب الأشعري الذي يصف الله بأنه ” خالق كل شيء ” لا يتفق مع فكرتي النبوة والإمامة ، لأن النبي والإمام اللذين يمارسان سيادة الله معصومان بالفطرة ولا يخطئان ، ولهذا لا يمكن أن يصدر عنهما اي أذى ، وهما بحق الحكمان العادلان (7).
4- لما كان العدل ملازما للإمامة فمن المسلم به أن العدل يتحقق في الأرض ما دام الإمام موجودا، لكن بعد غيبة الإمام أصبح الشيعة كقطيع من دون راع تحت سيطرة طغاة السنة ( أئمة الجور). ومهما كان الشيعي حريصا على تجنب الشر فإنه لا يستطيع تجنب الاضطهاد والظلم إلا إذا لجا إلى التقية ، وهي شكل من آلية الدفاع يستطيع بها ان يعلن ولاءه للخليفة السني مع وجوب بقائه في الباطن على ولائه للإمام الشيعي وتعاليمه.
المراجع :
(1) د. مجيد خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، ترجمة : أديب يوسف شيش، ص86، سميت اثني عشرية لأنها تؤمن بوجود اثني عشر إماما : علي ابن ابي طالب – الحسن – الحسين….
2- راجع، عن ترجمة ابن عباد واعماله الأدبية، الإبانة عن مذهب أهل العدل، تحقيق ياسين، النجف، ص 5 – 28
3- الإجماع في التقليد السني هو اتفاق الجماعة الذي يمارسه العلماء الذين يصلون إلى قرارهم بالعقل أو بغيره. أما الاستدلال فهو شكل من التفكير.
4- حسن بن المطهر الحلي الباب الحادي عشر.
5- المرجع نفسه ص 40
6- ابن بابويه، العقيدة الشيعية.
7- الحلي، مرجع سبق ذكره، ص 44
8- الحلي مرجع سبق ذكره.
يتبع..
2026 /06 /17