إسرائيل تتجاوز الخطوط الأمريكية!
مهدي مصطفى
القبطان الأمريكى يهم بمغادرة السفينة الإسرائيلية، وقد يتركها فى التيه وسط الأمواج الهادرة، تتخبط، ويبتلعها التاريخ، كما ابتلع غيرها من الجماعات المصطنعة بالقوة، كأنها تجربة قصيرة فى معمل الجغرافيا.
قبل ثلاثة أعوام كتبت مقالا بعنوان: «هل تتخلى واشنطن عن حارس المزرعة الإسرائيلى؟»، كانت رؤية مبكرة لمسار العواصف، فإسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 فكت قيودها، وذهبت بعيدا إلى جبهات قصية، وتفوهت بما لا يليق بدولة صغيرة، كأنها تحولت إلى قوة عظمى، وزعمت بتغيير الشرق الأوسط، ونمت طموحاتها إلى تغيير العالم نفسه!
وقد صدقت!
وتغير العالم بالفعل، وبدأ يتخلى عن روايتها المملة، تململت أوروبا أولا، ثم تسرب اليأس إلى أمريكا.
الخوف القديم تلاشى، لم يعد موجودا فى دوائر صنع القرار الغربى، فغضب الشوارع سبق المؤسسات، تحول إلى عواصف تقتلع إرث ثمانين عاما، ولو كتب أعداء إسرائيل سيناريو يهاجم ما ارتكبت من إبادة، ما استطاعوا أن يفعلوا، مثلما فعلت هى بنفسها، وكتبت الرواية بيديها.
جرس الإنذار يدق فى واشنطن، جيه دى فانس، نائب الرئيس الأمريكى التاريخى، يرفض المغامرات، ويعارض الانخراط فى حروب إسرائيل، بينما الأخيرة استطاعت أن تقدم خطة تناسب مزاج الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، تقوم على الضرب بقسوة، والمغادرة بسرعة، وقد نفذها ترامب فى فنزويلا، وعاد يكررها فى إيران بضغط من نتنياهو، وليس فى كل مرة تسلم الجرة.
فى تل أبيب كانت خطة ديفيد برنيع، رئيس الموساد الإسرائيلى تختمر، وحسب ما تسرب فى وسائل الإعلام الأمريكية، تقوم الخطة على قطع رأس القيادة الإيرانية، ثم إشعال فوضى عارمة على الأرض، ثم تسليح الأعراق المناوئة للفارسية فى إيران كالأكراد والعرب والبلوش.
الواقع لم يشابه خطة برنيع، وطالت الحرب، تحولت إلى عالمية مصغرة تنخرط فيها أكثر من عشر دول مباشرة، ويتأثر بها الجميع، من خلال تعطيل الممرات والمضايق البحرية، وحركة التجارة، وتدفق الطاقة.
فانس، عارض الحرب منذ البداية، حسب وسائل الإعلام الأمريكية، وتساءل هل هى أخلاقية؟، وشكك فى تقارير رسمية قدمتها مؤسسات أمريكية كالبنتاجون، وحاول أن يمنع الانزلاق إلى حالة فيتنام أو العراق أو أفغانستان، وقد جرب الأكاذيب فى حالة العراق التى شارك فيها كمقاتل، ورحب بمبدأ المفاوضات، وترأس وفد بلاده فى باكستان، وقال فيما بعد إننا سنوقع اتفاقا سواء رضيت إسرائيل أم أبت.
التصريح لم يمر لدى اللوبى اليهودى فى واشنطن، فقد بدأت تقارير إعلامية تتهم فانس بأنه أفشل خطة برنيع بتسريبها للأتراك، وتقوم خطة «العبقرى» على استخدام الأكراد، لعلنا نتذكر سعد الدين إبراهيم وكتابه الغامض «المِلَلَْ والنِحَلْ والأعْراَق»، أو نستعيد أجواء «خريطة الدم»، التى صاغها العقيد الأمريكى رالف بيتر.
على أية حال تقول وسائل الإعلام الإسرائيلية إن خطة برنيع أفسدها الأتراك خوفا على مصيرهم، ومن ثم عملت آلة الإعلام على مهاجمة فانس، أحد الأصول الإستراتيجية فى الانتخابات الرئاسية المقبلة 2028، فى تجاوز للخطوط الأمريكية الحمراء.
هل فى الأمر خدعة من الطرفين لإخفاء سيناريو خطير للشرق الأوسط، أم أن الزواج الكاثوليكى بين واشنطن وتل أبيب يتصدع؟
شخصيا أميل إلى نهاية اللعبة.
الطلاق قد يقع بين العشيقين السريين، فالصحافة الأمريكية تتحدث عن تجسس إسرائيلى على ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكى للمفاوضات فى باكستان، وتتذكر جوناثان بولارد، الجاسوس الإسرائيلى الأخطر الذى سرب أدق الوثائق الأمريكية إلى إسرائيل فى الثمانينيات، وقضى ثلاثين عاما فى السجون الأمريكية، ويوصف بأخطر جاسوس بين الحلفاء.
وإسرائيل تخشى التفتيش فى الدفاتر المنسية، فقد تجرأ توماس ماسى، الجمهورى الذى أسقطته حركة «أيباك»، فى انتخابات مجلس النواب الأخيرة، وطالب بفتح ملف السفينة «ليبرتى»، ذلك الملف الدموى الذى ارتكبته إسرائيل بقصفها للسفينة الأمريكية فى المياه الدولية أمام شواطئ سيناء فى الثامن من يونيو عام 1967، وذهب ضحية القصف 34 قتيلا أمريكيا و171 جريحا، وما زال هناك ناجون يعرفون الحقيقة، ورغم اعتذار إسرائيل، ودفعها تعويضات، فإن بعض الأمريكيين قرروا فتح الملف الغامض، والحبل على الجرار، بعد مهاجمة فانس.
2026-06-11