حرب بجبهة واحدة: من سواحل المتوسط إلى مضيق هرمز!
سعادة مصطفى أرشيد*
تفيد الأخبار الواردة في الصحافة العبرية أنّ حكومة الاحتلال ومجلسها المصغر مصران على المضيّ قدُماً في حربهم على لبنان، كما تفيد أنّ سفير دولة الاحتلال في واشنطن هو مَن ينسق مسألة توسيع العمليات في لبنان، وحسب تصريحاته؛ أنّ على دولة الاحتلال القيام بعمل عسكري واسع؛ إذ إنّ الجهد المحدود للجيش الإسرائيلي – والمقصود هنا جنوب الليطاني – لا يحقق النتائج المرجوّة، فلبنان من جنوبه حتى شماله يجب أن يكون مسرحاً للحرب. وهذه المسألة وإنْ كانت غير مستغربة أو خارجة عن السياق المنطقي للسلوك الأميركي، ولكن الإعلان عنها من شأنه أن يكشف تهافت أولئك الذين يحبون أن يروا في واشنطن وسيطاً في الحرب لا شريكاً كامل الشراكة فيها.
وإذا كانت للحرب على لبنان أهدافها القديمة، والتي تعود إلى بدايات المشروع الصهيوني الذي كان يرى أن الدولة اليهودية يجب أن تشمل منابع نهر الليطاني، وأن هذا يتطلب وجود لبنان ضعيف ومفكك ويجب أن يكون متحالفاً وخادماً للدولة اليهودية لا مطبعاً فقط معها، فقد استجدّ على هذه الأهداف الإسرائيلية أن المقاومة اللبنانية بقوتها العسكرية وتحالفاتها السياسية، ثم في أدائها الاجتماعي والفكري والتربوي، هي مَن يعرقل الأهداف الإسرائيلية، لذلك يجب القضاء عليها.
هكذا فإنّ هذه الحرب حرب واحدة من الخليج إلى سواحل المتوسط، فقد تهدأ جبهة من جبهاتها لتشتعل أخرى. وهنا يعتقد نتنياهو أنه قادر على إعادة سيناريو غزة في لبنان بادئاً بكيّ وعي اللبنانيين، وذلك بإعطائهم الدرس أنهم يدفعون فاتورة وجود مقاومة لبنانية لو لم تكن موجودة لما تعرّضوا لما يتعرّضون إليه اليوم، وأيّدته في ذلك أبواق زبائنية تقبض مقابل مواقفها المؤيدة لنتنياهو لا منه وإنما من المال المغموس بالكاز والنفط. هذه الأبواق التي تتحضّر ولا شك لفتح جبهة الصراع الداخلي، وهو يعتقد أنه قادر على ما لم يستطع مناحم بيغن وأرييل شارون القيام به باحتلال بيروت لا عسكرياً وإنما سياسياً، هو يرى أن لا مانع لديه من تدميرها أو على الأقل تدمير ضاحيتها الجنوبية حجراً حجراً كما فعل في غزة، يساعده في ذلك أن السلوك السياسي لموقعي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة سيكون مماثلاً لما كان عليه موقف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية أثناء الحرب الدموية على غزة.
اليوم الاثنين تتالى تصريحات مضادة صادرة عن طهران وعواصم أخرى؛ ففي حين ترى موسكو عبثية الحرب وأن هدفها في إيران هو السيطرة على النفط الإيراني أولاً، وترى أن الحرب على لبنان قد تجاوزت الحدود المعقولة، ولكن الأهم هو ما يصدر عن طهران من تصريحات وعلى لسان قادة الدرجة الأولى من عراقجي وقالييباف ومكتب مقر خاتم الأنبياء، وجميعها تذهب باتجاه فتح أبواب الحرب على مصراعيها من الخليج إلى باب المندب والبحر الأحمر إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط شاملة إحكام السيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه، وصولاً إلى العودة إلى قصف حيفا وتل أبيب وإلى إغلاق نافذة التفاوض مع الولايات المتحدة.
بدت الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة تظهر رغبة مضمَرة في إنهاء الحرب، وذلك بعد أن أدركت متأخرة إلى أين يمكن أن تؤول بها هذه الحالة العبثية في قتال إيران القوية بصبرها، وأن لا مجال للانتصار عليها. من هذه الرؤية لم يكن أمام واشنطن إلا البحث عن طريقة لابتلاع الطعام المر، وإنهاء الحرب على أن تبدو بموقع المنتصر، في حين عكف الوسيط الباكستاني على تدوير الزوايا الحادة ساعياً للوصول إلى صيغة (رابح – رابح) بحيث تستطيع كل من واشنطن وطهران ادعاء النصر، وكان الواضح غياب دولة الاحتلال عن هذه المفاوضات، وهذا ما جعل الوضع في تل أبيب يتأزم ويذهب باتجاه تصعيد على لبنان من جديد رأت فيه واشنطن أنه سيكون ورقة ضاغطة على طهران.
لا تملك الولايات المتحدة اليوم إلا أن تختار بين ضبط دولة الاحتلال – وهو أمر بالغ السهولة إن أرادت ذلك، فتستطيع بمكالمة هاتفية واحدة إنهاء العملية العسكرية في لبنان – وإما الاستمرار بالحرب وتحمّل فتح كامل جبهات هذه الحرب التي ستكون طويلة ومؤلمة علينا ولكن لا خيار أمامنا إلا خوضها فليس لدينا ما نخسره، ولكنها ستكون أكثر إيلاماً وخسراناً على الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، وقديماً قالت الأمثال إن الشجاعة صبر ساعة…
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير – جنين – فلسطين المحتلة
2026-06-03