الديمقراطية المنسية !
أ. د. عامر حسن فياض
هل هو نسيان أم تجاهل لـمسناها ونحن نقرأ المنهاج الوزاري الذي غابت عنه مفردة (الديمقراطية) في عراق لا يستطيع أن يتباهى بدون مسارين، الأول مسار التحول الديمقراطي والثاني مسار مكافحة الإرهاب..
إن التجربة الإنسانية تاريخياً لا يمكن أن تؤكد لنا قيام ديمقراطية بلا دولة وطنية، فالدولة قد تنشأ بلا ديمقراطية، بيد أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم بلا دولة.. دولة لها هيبة وقوة متأتية من كونها دولة يحكمها القانون المنبثق من سلطة تشريعية يدير مؤسساتها الدستورية رجال دولة لا رجال سياسة فقط !
إن الديمقراطية من حيث المبدأ ليست عقيدة نناصرها مقابل من يناهضها، ولا هي مذهب نقدسه مقابل من يدنسه، ولا هي أيديولوجيا نـقاتل من أجلها ضد من يقاتل ضدها، ولا هي آلية نتوسل أدواتها الانتخابية مرة ونتخلى عنها أو عن مخرجاتها مرة أخرى.
بمعنى أدق، إن الديمقراطية هي منظومة متكاملة تضم وتؤطر التنوعات فكراً، وهي بالممارسة حركة تُحسن إدارة التنوعات. وعلى أساس ذلك فإن الحركة الديمقراطية لا يمكن أن تكون جزءاً من نشاط حزب سياسي ولا يمكن أن تجير باسم جهة ولا يمكن أن تكون ملحقاً بجهة ولا واجهة جانبية أو خلفية لجهة.
صحيح جداً أن الحركة الديمقراطية في العراق تتمتع بتاريخ طويل على امتداد عمر العراق الحديث، كما تتمتع بجغرافية واسعة الجمهور على امتداد الخارطة العراقية، بيد أنها حركة مبعثرة تنظيمياً وتلك أولى العتبات في مسار حركة التحول الديمقراطي في العراق.
تسبقها أول وأخطر العقبات أمام مسار التحول الديمقراطي وتعزيزه والمتمثلة في أن من يمارس الديمقراطية في العراق هم غير ديمقراطيين؛ فالقوى اليسارية كعقل جمعي يساري متقوقعة بالمركزية، والقوى الإسلامية كعقل جمعي إسلامي بضروبه المتعددة متمسكة بنماذج الديمقراطية بوصفها آلية يقبلونها اضطرارا وليس بقناعة عندما يضمنون بأنهم الرابحين المنتفعين عند اللجوء إليها كأداة لاستيلائهم على السلطة أو المشاركة بها. أما القوى القومية فإن ديدنهم وأولوياتهم الشمولية والكليانية المتمثلة بالقومية الضيقة المتغلبة على الوطنية العراقية.
أما العقبة الثالثة التي تمثل خطراً على مسار حركة التحول الديمقراطي في العراق فإنها تتمثل بثانوية وليس أولوية اهتمام القوى السياسية المتنفذة ببناء الدولة كهدف ينبغي أن يسبق، على الأقل، أو يتزامن مع البناء الديمقراطي. فالتحول الديمقراطي السليم يحتاج إلى ساحة دولتية وطنية لا إلى ساحة مفتوحة وسائبة عابرة للوطنية ولا إلى ساحة محلية جهوية ضيقة مطعمة بالعرقية (الطائفية السياسية – القومية العنصرية). وهذه الساحة الدولتية الوطنية العراقية مؤطرة بدولة ذات سيادة لها مؤسسات تمثيلية منتخبة وحكومة قوية مسلحة بالقانون ومحمية بالجيش الوطني. وهكذا فإن وجع عدم استكمال بناء الدولة في العراق يعيق مسار الحركة الديمقراطية، فليس هناك ديمقراطية سليمة لا تسبقها دولة سليمة؛ فالديمقراطية السليمة لا تأتي في مرحلة ما قبل استكمال بناء الدولة.
أما العقبة الرابعة في طريق التحول الديمقراطي في العراق فإنها تتمثل بالبيئة الدولية والإقليمية غير المشجعة لنجاح المسار بل المعيقة له، والتي تفضل الفوضى للعراق أو الهيمنة على العراق وهي بيئة منافقة طاردة للديمقراطية في العراق.. وتتناغم معها عقبة خامسة في مسار التحول الديمقراطي تتمثل بعلوية التوافقية على العلوية الدستورية في عمليات تشكيل الرئاسات الثلاث بعد كل انتخابات عامة…
وإذ كان المنهاج الوزاري قد تناسى أو تجاهل مفردة الديمقراطية فالخشية أن يكون هذا التناسي أو التجاهل عقبة أخرى إضافية في طريق التحول الديمقراطي في العراق !!
2026-06-02