مكانة التكنولوجيا في الصراع الأمريكي الصيني – الجزء الثاني من ثلاث أجزاء!
الطاهر المعز *
زيارة دونالد ترامب:
نشرت وكالة رويترز تقريرًا بتاريخ 16 أيار/مايو 2026 عن زيارة الرئيس الأمريكي للصين يوم الرابع عشر من أيار/مايو 2026، والتي استمرت يومَين، وأفاد التقرير إن الزيارة لم تسفر سوى عن نتائج متواضعة تعكس حالة المواجهة الاقتصادية والاستراتيجية، وفشلت محاولات الرئيس الأمريكي في وضع حد لما يصفه بسياسات الحماية والاحتكار، وتحركات الصين لتوسيع نفوذها العسكري في منطقتي المحيطين الهندي والهادي، فيما وصف الرئيس الصيني هذه العلاقات بأنها في حالة “استقرار استراتيجي بناء”.بعد تراجع إدارة ترامب عن نهجها المتعجرف في التجارة منذ أوائل العام 2025، وضم الوفد الأمريكي العديد من المديرين التنفيذيين للشركات الأمريكية الكبرى، ومن بينهم إيلون ماسك من شركة تسلا وجنسن هوانج من شركة إنفيديا، لكنهم لم يوقعوا صفقات أو عقودا هامة، ورفضت الصين مساعدة الولايات المتحدة في إنهاء ورطة العدوان على إيران الذي أدى إلى عدم استقرار الأسواق العالمية وأثر سلبا على شعبية ترامب داخل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى فَرض الولايات المتحدة عقوبات على عدد من الشركات الصينية، وادعت أنها قدّمت «صور أقمار صناعية لتمكين الضربات العسكرية الإيرانية ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، وسهّلت جهود الجيش الإيراني لتأمين أسلحة، فضلاً عن مواد خام ذات استخدامات في برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية»، وردّت الصين: « تمارس الشركات الصينية أعمالها وفقاً للقوانين والأنظمة، وسنصون بحزم حقوق الشركات الصينية ومصالحها المشروعة»، كما لم يحصل أي تغيير في مواقف الطرَفَين بشأن تايوان، وفشل ترامب من خلال الحرب التجارية في إجبار الصين على تقديم تنازلات من جانب واحد، بينما تستمر الولايات المتحدة في حظر دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى السوق الأميركية، وتقييد صادرات الصين من طاقة الرياح والطاقة الشمسية…
رغم الحصار والحرب التجارية تمكنت الصين من التقدم وتقليص الفجوة في مجال المنتجات التكنولوجية وأشباه الموصلات والذكاء الإصطناعي، والتي تم وصفها ب «حرب الرقائق»، فضلا عن هيمنة الصين على تصنيع الطاقة المتجدّدة واستخدام الروبوتات الصناعية، وهذا أحد مؤشرات تراجع التفوق الصناعي الأمريكي لأن الصين أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية كبرى وارتفعت حصة الصين من الصادرات الصناعية العالمية من 3% إلى 30% خلال أقل من ثلاثة عقود، لكن حافظت الولايات المتحدة على هيمنتها في مجال التمويل العالمي، لأن الدولار الأميركي لا يزال يمثل العملة الاحتياطية العالمية، رغم انخفاض حصته ولا تزال معظم بلدان العالم تنجز تجارتها وتمويلها بالدولار، وتحصل الولايات المتّحدة على نحو 1% من ناتجها المحلي الإجمالي سنوياً لأنها الجهة الوحيدة التي تصدر الدولار، فيما تضطر الاقتصادات الأخرى إلى شرائه أو اقتراضه، كما لا تزال الولايات المتحدة تمثل القوة العسكرية الأولى، ويتجاوز إنفاقها العسكري إنفاق بقية دول العالم مجتمعة، وللجيش الأمريكي أكثر من ثمانمائة قاعدة عسكرية خارج أراضيها، لكن لم يتمكن الجيش الأمريكي من فَرض سطوته في فيتنام وفي أفغانستان ثم في إيران…
مكانة الذكاء الاصطناعي
ارتفع تقييم السوق للشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عشرة أضعاف خلال العقد الماضي، وترتبط تسع شركات من أصل أكبر عشر شركات في العالم بالقيمة المستقبلية للذكاء الاصطناعي، وتسعة من هذه الشركات أميركية، وتوازي قيمتها مجتمعة أكثر من نصف الاقتصاد الأميركي، بفعل الإستثمارات الضخمة في شركات التكنولوجيا الأمريكية خلال السنوات السابقة، وبفعل الدعم الحكومي مما مكن الشركات ( مثل آمازون وميتا ومايكروسوفت وألفابت…) من تحقيق مكاسب هائلة في الإنتاجية ويتطلّب استخدام الذكاء الاصطناعي الإستثمار في البنية التحتية ومراكز البيانات ومعدات الحوسبة، وأنظمة التبريد، وأجهزة الشبكات، وربط الشبكات الكهربائية وإمدادات الطاقة، وتتوقع شركات التكنولوجيا إنفاق حوالي خمسة تريليونات دولار على هذه البنية التحتية التي لا يزال معظمها متركّزاً في الولايات المتحدة، لتلبية الطلب المتوقع حتى العام 2030، وتتوقع هذه الشركات إن العالم سيعتمد على الذكاء الاصطناعي ( في المجالات الصناعية والعسكرية وفي قطاع الخدمات وغيرها) لتحصد شركات التكنولوجيا أرباحاً ضخمة، ولا تتطرق الدراسات التي تُمولها الشركات إلى المشاكل البيئية الناجمة عن الطلب المتزايد على الأراضي والطاقة والمياه لتشغيل مراكز البيانات.
تستخدم الإمبريالية الأمريكبة شركات التكنولوجيا كأدوات للهيمنة الأميركية، وفق المدير التنفيذي لشركة بالنتير ( Palantir ) ألكس كارب الذي نشر كتاب «الجمهورية التكنولوجية» على منصة «إكس» يوم 18 نيسان/أبريل 2026 ويمثل الكتاب إعلاناً مباشراً عن انتقال بعض شركات التكنولوجيا من موقع مزوّدي الخدمات التقنية إلى موقع الفاعل السياسي ـ الأيديولوجي المنخرط في صياغة رأي عام أميركي داعم لاستراتيجيات الأمن القومي التي تسعى إدارة دونالد ترامب إلى تكريسها، في إطار الصراع التكنولوجي الأمريكي الصيني الذي يهدف إلى السيطرة على سلاسل السلع العالمية، وفي إطار السباق نحو عسكرة برمجيات الذكاء الاصطناعي كأداة رئيسية في حروب المستقبل وأسلحة الدمار الشامل الجديدة.
تشكل شركة «بالانتير تكنولوجيز» التي تأسست سنة 2003، أداة رئيسية في مجالات الأمن والإستخبارات الأمريكية، وفي معالجة تدفق البيانات الكثيرة وجاء تأسيس الشركة من قبل بيتر ثايل وآلكس كارب وشركاء آخرين، تعبيراً مباشراً عن الحاجة الاستراتيجية الأمريكية لفحص البيانات من أجل استشراف المستقبل لاوالتهيؤ له، وفق التسريبات التي نشرها إدوارد سنودن سنة 2013 والتي أكدت خطورة الدور الذي تؤديه «بالانتير» في دعم وتطوير وتمكين شبكات التجسّس الأمريكية والبريطانية وتقديم خدمات لحلفائهما مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا، ولهذه الأسباب زاد نفوذ الشركة مع وجود سبعة عشر مسؤولاً وموظفاً سابقاً في «بالانتير» أو الشركات المتفرعة عنها في مواقع مؤثرة داخل الإدارة الأميركية، وفي مقدمتهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس كنموذج يمثل نفوذ هذه الشبكة السياسية ـ الاقتصادية المرتبطة بشركة «بالانتير» التي أدى ارتباطها بالمؤسسة الأمنية الأميركية منذ بداياتها إلى استثمار وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، عبر ذراعها الاستثمارية «إن ـ كيو ـ تل» المتخصصة في التكنولوجيا الأمنية، بصورة مباشرة في تطوير الشركة التي أصبحت برامجها جزءًا من أدوات الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني أو أوروبا أو حلف شمال الأطلسي منذ عقدين، كما توسع نشاط شركة بالانتير إلى مجالات عديدة أخرى، إذ حصلت منذ سنة 2008 على عقد مع إحدى الوكالات الأمنية البريطانية، وهي تدير حاليا جزءاً من البنية التحتية المعلوماتية التابعة للنظام الصحي البريطاني، وفي الولايات المتحدة، تقدّم الشركة خدماتها لمختلف المؤسسات الأمنية، إضافة إلى البنتاغون، ووكالة الضرائب، ووكالة الهجرة والجمارك الأميركية، فضلاً عن عدد كبير من أجهزة الشرطة والمؤسسات الحكومية الأخرى، وأعلنت الشركة سنة 2024 عن «شراكة استراتيجية» مع الجيش الصهيوني دعماً لمجهوده العسكري كامتداد للأمن القومي الأمريكي على بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من الأراضي الأمريكية…
استبدال الردع النووي بعسكرة الذكاء الاصطناعي
يدعو بيان شركة بالانتير بوضوح إلى انخراط المجتمع التقني الأميركي في دعم جهود الولايات المتحدة لتطوير الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مركزية لإعادة إنتاج قوة الردع الأميركية، في ظل النهاية التدريجية لعصر الردع النووي التقليدي، وفق مؤسس شركة بالانتير، ولذلك لا ينبغي عرقلة الجهود الأميركية بذريعة أخلاقيات عسكرة الذكاء الاصطناعي، أي إن مؤسسي الشركة يعترضون على معايير الحكم الديمقراطي، وعلى الشفافية وحق المساءلة، والمشاركة العامة في صياغة السياسات القومية وفي عملية اتخاذ القرار، ما يجعل هذا التقرير يعبر عن رؤية عسكرية صرفة للحياة السياسية الداخلية وللعلاقات الدّولية؛ إذ يصبح واجب المهندسين والمبرمجين والعاملين في قطاع التكنولوجيا توظيف معارفهم وقدراتهم في خدمة تعزيز القوة العسكرية الأميركية، ورفع مستوى قدرتها على الردع والفتك، ليصبح أي نقاش ديمقراطي مضيعة للوقت وتهديدًا مباشرا للأمن القومي الأميركي، ويجب بالتالي إلغاؤه أو تحييده أو تفاديه، لتحل محله «الجمهورية التكنولوجية» التي ينظّر لها مؤسسو «بالانتير» والتي لا تقوم على القيم الديمقراطية، فالأولوية المطلقة لتطوير التكنولوجيا الأكثر تفوقاً وفعالية، بما يضمن استمرار الهيمنة الأميركية في مواجهة الصعود المتسارع للقوة الصينية، ولم تعد البرمجيات، ومنصات تحليل البيانات، والبنى التحتية الخوارزمية مجرد أدوات تقنية أو اقتصادية، بل أصبحت أهم سلاح فتاك في العلاقات الدولية والصراع مع الصين…
يتجاوز مانيفستو بالانتير موضوع مكانة التكنولوجيا إلى رفض التعددية الثقافية وفكرة المساواة بين الثقافات، لأنها عاجزة عن إنتاج هوية حضارية متماسكة وفق هذا المانيفستو الذي يعيد صياغة جوهر الفكر اليميني المتطرف، فالنص لا يكتفي بالدفاع عن دور التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، بل يمثل دعوة صريحة لإعادة عسكرة المجتمع الأميركي على أسس قومية ـ حضارية، تربط بين التفوق التكنولوجي، والهوية القومية، وإعادة تصنيف الحضارات والثقافات وفقاً لدرجة النمو الإقتصادي والقوة العسكرية وبالتالي وجبت إعادة بناء القوة الأمريكية على أساس انخراط المجتمع في المشروع العسكري والأمني الأمريكي لفرض الاستقرار، بدل الإعتماد على منطق القوة الناعمة، الذي ساد بعد الحرب الباردة، والذي يعتبره مؤسسو شركة بالانتير أحد مكامن الضعف التي ساهمت في تراجع الهيمنة الأميركية وتراجع قدرتها على الردع، ويكمن الحل الذي تدعو له شركة بالانتير في بناء «قومية تكنولوجية» من خلال تحالف عضوي بين الدولة الأمنية ورأس المال الرقمي والنخب الهندسية، واليمين الثقافي المحافظ لإنقاذ التفوق الأمريكي/
الحروب المُدارة عن بُعد – دور شركات التكنولوجيا كمقاول حربي
تعتمد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على شركات التكنولوجيا، التي تحولت إلى مُقاوَلات حربية ومخزن ضخم للبيانات، لتنفيذ العدوان تلو الآخر على الشعوب ونَشر الموت والدمار، واستخدم الكيان الصهيوني خدمات التخزين السحابي لشركات أمازون وغوغل وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتخزين معلومات المراقبة ومعالجة وتحليل كميات ضخمة من البيانات عن الفلسطينيين في كافة الأراضي المحتلة ولتنفيذ المجازر وعمليات الإبادة، كجزء من «مشروع نيمبوس». الذي مكن الكيان الصهيوني من مراقبة الفلسطينيين وإجبارهم على مغادرة أراضيهم، ومن تنفيذ الجيش الصهيوني اغتيالات عن بُعد، كما حوّلت شركةُ بالانتير التي تربطها علاقات وطيدة بالإستخبارات الأمريكية، ساحة المعركة في أوكرانيا إلى مُختبر لأحدث التقنيات العسكرية، من خلال استخدام أدوات الذكاء الإصطناعي لتحليل البيانات وصور الأقمار الصناعية والبيانات مفتوحة المصدر وتصوير الطائرات الآلية والإشراف على جزء هام من الإستهداف العسكري الأوكراني ( بإشراف خُبراء وفَنّيّين من حلف شمال الأطلسي ) خصوصًا ضد الدبابات والمدفعية الروسية، كما تبيع شركة «بالانتير» وشركات التكنولوجيا الأخرى أنظمة أسلحة وتُراكم كميات هائلة من البيانات بشأن كيفية إدارة المعارك وكيفية تفاعل الأشخاص والآلات تحت النار، وفق موقع صحيفة غارديان البريطانية بتاريخ الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ونشرت الصحيفة تحقيقًا عن إنجاز هذه الشركات مئات مشاريع الذكاء الإصطناعي ( أكثر من ثمانمائة ) التي تمتلكها وزارة الحرب الأمريكية عند نَشر التحقيق، بالإضافة إلى أنظمة حربية أخرى يتم تطويرها واختبارها سرّا، واستخدم الجيش الصهيوني بعض هذه الأسلحة والأنظمة الحربية كالطائرات الحربية التي يتم ايُتحكم بها عن بُعد في مناطق مدنية مكتظة بالسكان في غزة ولبنان وسوريا وإيران كما استخدم الجيش الصهيوني صواريخ وطائرات من دون طيار وأنظمة أسلحة أخرى يوم الأول من نيسان/ابريل 2024 لاغتيال سبعة من عمّال الإغاثة وفق منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية التي تعتبر شركة بالانتير مزوّداً رئيساً للجيش الصهيوني بأدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيّات التكنولوجيا القتالية، وأعلنت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية الأمريكية (DARPA) خلال شهر أيلول/سبتمبر 2024 عن مشروع ثلاثي الأطراف لدمج أبحاثها الدفاعيّة مع مختبر العلوم والتكنولوجيا للدفاع البريطاني (Dstl) ووكالة أبحاث وتطوير الدفاع الكندية (DRDC)، الذراع العلمي والتقني لوزارة الحرب الكندية…
تجني شركات الأسلحة أرباحًا ضخمة من العسكرة والحروب، وأعلنت شركة لوكهيد مارتن ( أكبر مُصنّع للأسلحة الجوية في العالم) عن ارتفاع عائداتها من الحروب المستعرة، والتي بلغت 18,1 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام 2024، بزيادة بنسبة 9% عن الفترة نفسها في العام 2023، ورفعت تقديراتها للمبيعات السنوية من الأسلحة والذخائر والتجهيزات العسكرية التي تنتجها، وأدّى هذا التصريح إلى ارتفاع الطلب على أسهمها وارتفاع قيمتها بنسبة 16% خلال بضعة أيام، وإلى رفع قيمة شركة لوكهيد مارتن في السوق، وحصل نفس الأمر مع شركتَتَي ( RTX ) ونورثروب غرومان حيث ارتفعت أسهم الشركتين بشكل كبير في البورصة، خلال أيام قليلة بعد إعلانهما عن ارتفاع عائداتهما بنسبة 8% و7% على التوالي بالمقارنة مع العام 2023، وزادتا من توقعات المبيعات السنوية، وتُعَدّ هذه الشركات الثلاث، لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان وRTX، هي الأكبر من حيث عائدات الأسلحة سنة الحرب في أوكرانيا ( 2022 ) بحسب معهد ستوكهولم الدّولي لأبحاث السلام، وتتأثّر قيمة هذه الشركات بارتفاع أو انخفاض الإنفاق العسكري الحكومي وعلى العقود المُبرمة مع الحكومات وارتفعت قيمة هذه عقود هذه الشركات مع أعضاء حلف شمال الأطلسي منذ بدء الحرب في أوكرانيا، من تريليون و 37 مليار دولارا سنة 2022 إلى تريليون و69 مليار دولارا سنة 2023 وإلى تريليون ومائتَي مليار دولار سنة 2024
يتبع
2026-05-27