شيخوخة الأمم!
مهدى مصطفى
الأمم تشيخ بالأوهام، حين تعتقد أن القوة الدائمة حق مكتسب، وأن الخرائط يمكن أن تتمدد إلى ما لا نهاية، وأن الجغرافيا صفحة فى كتاب تاريخ قديم.
فما من أمة أو إمبراطورية بلغت ذروة القوة إلا وأغراها الشعور بالاختلاف عن الجميع، وأن القوانين التى أسقطت من سبقوها لن تجرؤ على الاقتراب منها، لكن التاريخ، وهو موظف قديم قليل المجاملة، اعتاد أن يضع الجميع فى الملف نفسه فى نهاية المطاف.
الإمبراطوريات الكبرى لم تسقط لأنها كانت ضعيفة، لكنها سقطت بالثقة المفرطة والنسيان، انظر إلى روما كيف تمددت حتى أثقلتها الأطراف، وانظر إلى الإسكندر كيف ركض وراء الآفاق حتى سبقته النهاية، وانظر إلى نابليون كيف اعتقد أن الشتاء الروسى مجرد سوء تفاهم مناخي، ثم هتلر الذى جاء ليعيد التجربة، وكأنه لم يقرأ الصفحة السابقة من كتاب السقوط، وحتى الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، وجدت نفسها تسافر عسكريا آلاف الأميال من فيتنام، وأفغانستان، والعراق، إلى إيران، قبل أن يبدأ الأمريكيون بطرح السؤال المحرج: إذا كنا الأقوى فى العالم، فلماذا تبدو العودة إلى الوطن أصعب من الذهاب إلى الحرب؟
أما المفارقة الأكثر طرافة فى تاريخنا المعاصر، فهى أن إسرائيل، على صغر مساحتها ومحدودية سكانها، تتصرف بثقة إمبراطورية، وتمارس دور القوة العظمى بالوكالة، وتخوض معارك مفتوحة مع الجغرافيا والتاريخ والديموجرافيا فى وقت واحد، ثم تتعجب من اتهامها بارتكاب الإبادة الجماعية، وملاحقتها – جنائيا – على المستوى الدولى!
منذ السابع من أكتوبر 2023، تحولت إسرائيل إلى ثكنة عسكرية مفتوحة، تخوض مواجهات متعددة الجبهات، معتمدة على دعم أمريكى واسع ومستمر، والمفارقة أن إدارة دونالد ترامب جاءت تحت شعارات تدعو إلى تجنب الحروب القديمة، لكنها وجدت نفسها أسرع وأكثر انخراطا فى الحروب من فنزويلا إلى إيران إلى كوبا إلى جرينلاند.
فى واشنطن لم يعد الحديث عن دور إسرائيل ونفوذ جماعات الضغط، وعلى رأسها «أيباك»، مقتصرا على الهمس خلف الأبواب المغلقة، فالنقاش أصبح أكثر علنية واتساعا، وبرزت تساؤلات متزايدة حول حدود تأثير الحلفاء الأجانب فى رسم أولويات السياسة الأمريكية، وهى أسئلة لا تعنى بالضرورة تغيرا سريعا وجذريا فى السياسات تجاه إسرائيل، لكنها تكشف أن الإجماع القديم عليها أصابه صدع، قد يتسع يوما بعد آخر حتى تنتهى هذه الظاهرة غير المسبوقة بين الدول.
ولعل المفاوضات الجارية فى باكستان بين واشنطن وطهران، تكشف هذا الجانب الجديد فى السياسة الأمريكية، فالمفاوضات تجرى بعيدا عن المشاركة الإسرائيلية المباشرة، فى مشهد يعكس مدى الإحراج من وضع إسرائيل على الطاولة، ولعل من طرائف السياسة أن دونالد ترامب قال إنه لو ترشح لرئاسة الوزراء فى إسرائيل لحصل على 99% من الأصوات، وهى نسبة أعلى بمراحل من شعبيته الحقيقية فى أمريكا نفسها.
المشهد الأوسع يكشف أن النظام الدولى نفسه يمر بمرحلة إعادة تشكيل، فروسيا والصين تتقدمان فى مواقع النفوذ، وأوروبا تبحث عن مساحة أكبر من الاستقلال عن أمريكا، ودول الشرق الأوسط تكتشف تدريجيا أنها كانت، فى معظم الأحيان، ميادين رماية، كما تكتشف أن نتائج الحروب والتسويات تكتب وفق مصالح القوى الكبرى، ثم ترسل النسخ الموقعة للاطلاع.
لهذا تبدو الحاجة ملحة لأن تحمى دول المنطقة مصالحها، وحدودها، وممراتها الإستراتيجية، وثرواتها بنفسها، وأن تدرك أن القوى الكبرى، مهما كثرت وعودها، تنظر إلى العالم من زاوية مصالحها التى لا تناسب مصالح المنطقة.
وفى النهاية، ستخضع القوى الكبرى نفسها لامتحان الجغرافيا، وشيخوخة الإمبراطوريات، وهو امتحان لم يحصل أحد فيه على إعفاء دائم، لكن الحكمة تقتضى ألا تنتظر شعوب المنطقة سقوط أوهام الآخرين كى تبدأ حماية مصالحها، فالتاريخ يعلمنا أن الاعتماد الكامل على الخارج يشبه شراء مظلة من شخص يبيع المظلات عندما تكون السماء صافية، أو كما يقال: إن الثيران لا تدر الحليب، مهما أرهق الحالبون أيديهم.
2026-05-25