فهد يوسف سلمان يوسف
مؤسس الحزب الشيوعي العراقي: حياته من الولادة حتى الإعدام وأبرز إنجازاته!
مقالة ذات عمق تاريخي
الدكتور وليد الحيالي
تمهيد:
في تاريخ العراق الحديث أسماء لا تُقرأ بوصفها سيرًا فردية فحسب، بل بوصفها علامات على تحولات اجتماعية وسياسية كبرى. ومن بين هذه الأسماء يبرز يوسف سلمان يوسف، المعروف باسمه الحركي «فهد»، بوصفه أحد أبرز بناة الحركة الشيوعية العراقية، والرجل الذي ارتبط اسمه بتأسيس الحزب الشيوعي العراقي وبنقله من حلقات فكرية محدودة إلى تنظيم سياسي ذي قاعدة عمالية وشعبية واضحة. وتذكر أغلب المصادر أن فهد وُلد عام 1901، وأُعدم في بغداد في 14 شباط/فبراير 1949، بعد أن أصبح رمزًا للمعارضة اليسارية في العهد الملكي.
لا يمكن فهم فهد بمعزل عن العراق الذي نشأ فيه: عراق خرج من العهد العثماني إلى الاحتلال البريطاني ثم إلى نظام ملكي لم يتحرر تمامًا من النفوذ الأجنبي؛ عراق تتشكّل فيه المدن الحديثة والطبقة العاملة، وتتصاعد فيه أسئلة العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والحريات العامة.
أولًا: الولادة والنشأة الاجتماعية
وُلد يوسف سلمان يوسف في بيئة متواضعة، وتختلف بعض المصادر في تحديد مكان ولادته بدقة بين بغداد وبرطلة، كما ترد إشارات إلى ارتباط عائلته بالموصل وبالجنوب العراقي لاحقًا. غير أن الثابت في سيرته أن عائلته انتقلت إلى البصرة بحثًا عن الرزق، وأنه نشأ في محيط اجتماعي قريب من الكادحين وصغار الموظفين والحرفيين.
تلقى يوسف سلمان يوسف تعليمه الأولي في مدارس مسيحية وإرسالية في البصرة، ثم اضطر إلى ترك الدراسة مبكرًا بسبب الظروف الاقتصادية ومرض والده. هذه التجربة المبكرة لم تكن تفصيلًا عابرًا؛ فقد وضعته منذ شبابه في مواجهة مباشرة مع معنى الفقر، ومع هشاشة حياة العائلات التي لا تملك إلا عملها اليومي. ومن هنا بدأت تتشكل لديه حساسية اجتماعية مبكرة تجاه الفئات الضعيفة والمحرومة.
ثانيًا: من العمل اليومي إلى الوعي السياسي
لم يولد فهد سياسيًا محترفًا، بل تشكّل وعيه عبر العمل والاحتكاك المباشر بواقع الاستغلال والفقر والتمييز الاجتماعي. عمل في وظائف بسيطة، منها الكتابة والترجمة وأعمال إدارية، وتنقل بين البصرة والناصرية، وهما من المدن التي شهدت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين نشاطًا تجاريًا وعماليًا واضحًا.
كانت الناصرية والبصرة بيئتين مهمتين لنشوء الأفكار الجديدة في العراق: الوطنية، والنقابية، والاشتراكية، ومناهضة النفوذ البريطاني. وفي هذه الأجواء بدأ يوسف سلمان يوسف يتعرف إلى الأفكار الاشتراكية والشيوعية، ثم ينتقل تدريجيًا من التعاطف الفكري إلى التنظيم والعمل السياسي. لم تكن الشيوعية بالنسبة إليه مجرد نظرية مستوردة، بل بدت له جوابًا على أسئلة عاشها بنفسه: لماذا يعيش الفقراء في الحرمان؟ لماذا تُصادر إرادة البلاد؟ ولماذا تُقمع التنظيمات التي تطالب بالعدالة؟
ثالثًا: التكوين الفكري والارتباط بالحركة الشيوعية
سعى فهد إلى تعميق معرفته السياسية والتنظيمية، وارتبط بالحركة الشيوعية في مرحلة كانت فيها الأفكار اليسارية تنتقل عبر الموانئ والعمال والمثقفين والطلبة والعلاقات العابرة للحدود. وتشير مصادر إلى أنه سافر إلى الخارج وتلقى تدريبًا سياسيًا وتنظيميًا، ومن أبرز المحطات التي ترد في سيرته ارتباطه بالتكوين الماركسي وبمدارس الحركة الشيوعية العالمية في الثلاثينيات.
غير أن أهمية فهد لا تكمن في تلقيه للفكر الماركسي فقط، بل في قدرته على تحويل الفكر إلى عمل منظم. فقد أدرك أن الفكرة، مهما كانت عادلة، لا تتحول إلى قوة تاريخية إلا إذا امتلكت حزبًا، وصحافة، وكوادر، وانضباطًا، وصلات حقيقية بالعمال والطلبة والمثقفين.
رابعًا: بناء الحزب الشيوعي العراقي
تأسس الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثينيات القرن العشرين في ظروف قاسية: دولة ملكية مرتبطة ببريطانيا، قوانين تجرّم النشاط الشيوعي، مجتمع يعاني من الفقر والأمية، وطبقة سياسية تقليدية تخشى كل تنظيم جذري. وقد ارتبط اسم فهد بتطوير هذا الحزب وتحويله من حلقات مبعثرة إلى تنظيم سياسي مركزي واضح البنية والهدف.
لم يكن إنجاز فهد أنه رفع شعار الشيوعية فحسب، بل أنه حاول ربط هذا الشعار بالواقع العراقي. فقد نظر إلى قضايا العمال والفلاحين، وإلى الاستقلال الوطني، والحريات العامة، وحق التنظيم، بوصفها قضايا مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. ومن هنا جاءت أهمية خطه التنظيمي: حزب سري في مواجهة القمع، لكنه ليس معزولًا عن الناس؛ حزب أممي في فكره، لكنه عراقي في قضاياه اليومية.
خامسًا: الصحافة السرية وجريدة «القاعدة»
من أبرز أعمال فهد تأسيس وتوجيه الصحافة الحزبية السرية، ولا سيما جريدة «القاعدة» التي ارتبطت بفكرة أن قوة الحزب لا تأتي من القيادة وحدها، بل من قاعدته المنظمة والواعية. كانت الصحافة السرية في زمن القمع فعلًا سياسيًا بالغ الخطورة؛ فإصدار منشور أو صحيفة قد يقود صاحبه إلى السجن أو الموت.
تعامل فهد مع الصحافة لا كوسيلة إعلام فقط، بل كأداة تربية سياسية. فمن خلالها كان الحزب يشرح مواقفه، ويناقش قضايا العمال، ويواجه الانقسامات، ويربط بين المطالب الاجتماعية والنضال الوطني ضد الهيمنة الأجنبية. وقد ساعدت هذه الصحافة على تكوين لغة سياسية جديدة في العراق، لغة تخاطب الكادحين والطلبة والمثقفين بلغة الحقوق والعدالة والتحرر.
سادسًا: فهد والطبقة العاملة
أدرك فهد أن الحزب الشيوعي لا يستطيع أن يبقى حزب مثقفين فقط. لذلك اتجه بقوة نحو العمال، ولا سيما عمال السكك والموانئ والمعامل والدوائر الحديثة. كانت الطبقة العاملة العراقية آنذاك حديثة التشكل نسبيًا، لكنها كانت تحمل طاقة احتجاجية كبيرة بسبب ظروف العمل الصعبة، والأجور المحدودة، وغياب الحماية النقابية.
كان فهد يرى أن العمال ليسوا جمهورًا انتخابيًا أو قوة احتجاج عابرة، بل قاعدة اجتماعية قادرة على إنتاج وعي جديد إذا امتلكت التنظيم. لذلك ركّز على بناء الكادر العمالي، وعلى جعل الحزب قريبًا من هموم الأجور، وساعات العمل، والحريات النقابية، والكرامة الإنسانية. وهذا ما أعطى الحزب في الأربعينيات قدرة على الامتداد وسط المدن والفئات الشعبية.
سابعًا: الصراع مع السلطة الملكية
كان العهد الملكي ينظر إلى الشيوعية بوصفها خطرًا مزدوجًا: خطرًا اجتماعيًا لأنها تخاطب العمال والفقراء، وخطرًا سياسيًا لأنها تعارض النفوذ البريطاني وتدعو إلى استقلال وطني حقيقي. لذلك تعرض فهد ورفاقه للملاحقة والاعتقال والمحاكمات. وفي السنوات الأخيرة من حياته، قاد فهد الحزب من داخل السجن، وهو ما يكشف قوة حضوره التنظيمي وصلابة ارتباطه بالحزب حتى في أقسى ظروف القمع.
اشتدت المواجهة بعد وثبة كانون الثاني 1948، حين اهتز النظام الملكي أمام احتجاجات شعبية واسعة ضد معاهدة بورتسموث. في هذا المناخ، أرادت السلطة توجيه ضربة قاصمة للحزب الشيوعي وقيادته. وهكذا تحولت قضية فهد من محاكمة فرد إلى رسالة سياسية أرادت السلطة إرسالها إلى كل قوى المعارضة.
ثامنًا: المحاكمة والإعدام
في 14 شباط/فبراير 1949 نُفذ حكم الإعدام بيوسف سلمان يوسف «فهد» في بغداد. كما أُعدم معه من قيادات الحزب الشيوعي العراقي حسين محمد الشبيبي، المعروف حزبيًا باسم «صارم»، وزكي بسيم، المعروف باسم «حازم»، في سياق حملة هدفت إلى ضرب القيادة الشيوعية وإرهاب الحركة الوطنية.
كان الإعدام حدثًا سياسيًا مفصليًا في تاريخ العراق الحديث. فالسلطة لم تكن تعدم شخصًا فقط، بل كانت تحاول كسر رمز وتنظيم. غير أن النتيجة التاريخية جاءت معاكسة جزئيًا؛ فقد تحول فهد بعد موته إلى أيقونة يسارية عراقية، وصار اسمه جزءًا من ذاكرة النضال ضد القمع والاستعمار واللامساواة.
تاسعًا: أبرز إنجازاته
يمكن إبراز إنجازات فهد التاريخية في المحاور الآتية:
- بناء الحزب الشيوعي العراقي تنظيميًا، ونقله من حلقات متناثرة إلى حزب أكثر انضباطًا وامتدادًا.
- ربط الفكر الماركسي بالواقع العراقي، من خلال التركيز على قضايا الاستقلال والحريات وحقوق العمال والفلاحين.
- إرساء تقاليد العمل السري المنظم في مواجهة القمع، عبر الخلايا والكادر والانضباط الحزبي.
- تعزيز دور الطبقة العاملة في العمل السياسي، وجعلها قاعدة اجتماعية لا مجرد جمهور مؤيد.
- تطوير الصحافة الحزبية السرية، ومنها جريدة «القاعدة»، بوصفها أداة للتثقيف والتنظيم والتعبئة.
- ترسيخ نموذج التضحية السياسية، إذ دفع حياته ثمنًا لقناعاته في مواجهة سلطة أرادت إسكات الحركة الشيوعية بالقوة.
الاستنتاج
إن سيرة فهد يوسف سلمان يوسف لا تمثل مجرد حياة قائد سياسي انتهت بالإعدام، بل تمثل مرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث، حيث تداخل النضال الوطني ضد الهيمنة الأجنبية مع النضال الاجتماعي من أجل العدالة والكرامة وحقوق العمال والكادحين. فقد نشأ فهد من بيئة متواضعة، وتكوّن وعيه في قلب المعاناة اليومية للفقراء، ثم استطاع أن يحوّل هذا الوعي إلى مشروع تنظيمي وسياسي ترك أثرًا عميقًا في الحياة العراقية.
لقد كان أبرز ما ميّز فهد أنه لم يتعامل مع الفكر الشيوعي بوصفه شعارًا نظريًا مجردًا، بل سعى إلى ربطه بالواقع العراقي، وبقضايا الاستقلال والحريات العامة وحقوق العمال والفلاحين. ومن هنا جاءت أهميته التاريخية بوصفه مؤسسًا حقيقيًا لمدرسة تنظيمية وسياسية، جعلت من الحزب الشيوعي العراقي قوة حاضرة في الشارع، لا مجرد حلقة فكرية محدودة.
كما أن إعدامه عام 1949 لم ينهِ أثره، بل حوّله إلى رمز من رموز التضحية السياسية في العراق. فقد أرادت السلطة الملكية أن تكسر الحركة الشيوعية بإعدام قيادتها، لكنها ساهمت، من حيث لا تريد، في ترسيخ صورة فهد بوصفه شهيدًا لفكرة العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني.
وعليه، يمكن القول إن فهد يوسف سلمان يوسف كان أكثر من مؤسس حزب؛ كان شاهدًا على ولادة وعي اجتماعي جديد في العراق، وواحدًا من الشخصيات التي دفعت حياتها ثمنًا لقناعاتها. إن تجربته تكشف أن التاريخ لا تصنعه السلطة وحدها، بل يصنعه أيضًا أولئك الذين يقفون في مواجهة الظلم، ولو انتهى طريقهم إلى المشنقة.
مصادر مختارة
- Yusuf Salman Yusuf – Wikipedia English
https://en.wikipedia.org/wiki/Yusuf_Salman_Yusuf - يوسف سلمان يوسف – المعرفة
https://www.marefa.org/يوسف سلمان يوسف - الحزب الشيوعي العراقي – دار الحكمة
https://www.daralhikma.org/index.php?title=الحزبالشيوعيالعراقي - الحزب الشيوعي العراقي – الموقع الرسمي
https://www.iraqicp.com
2026-05-19