اختراق في جدار حصار هرمز:
عواصم أوروبية تفعّل دبلوماسية مباشرة مع طهران
بين تحشيد عسكري دفاعي وبراغماتية تفاوضية مستجدة بشأن مضيق هرمز، يحاول الأوروبيون تجنب الأسوأ بانتظار التوصل إلى حل سياسي شامل بين واشنطن وطهران
سعيد محمد*
تتجه أزمة مضيق هرمز نحو مسارات جديدة بعد كشف التلفزيون الرسمي الإيراني عن بدء مفاوضات مباشرة وقنوات اتصال موازية بين عدة دول أوروبية والقوة البحرية التابعة للحرس الثوري سعياً إلى إيجاد ممرات آمنة للناقلات التجارية لتلك الدول، ما يشير وفق الخبراء إلى رغبة أوروبية في الفصل بين التعقيدات العسكرية للعدوان الأمريكي على إيران والاستقرار الاقتصادي.
ولم يحدد التلفزيون الدول المشاركة في تلك المفاوضات.
وسيطرت إيران إلى حد كبير على المضيق البحري الرئيسي ومنعت عبور ناقلات تحمل ما لا يقل عن خمس تجارة العالم من النفط والغاز والبتروكيمياويات الأساسية للصناعة والزراعة وذلك بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عدواناً غير مبرر على الجمهورية الإسلاميّة في نهاية فبراير / شباط الماضي.
وقد أصبح العبور مشروطاً بالموافقة على لوائح الإدارة الإيرانية للمضيق ودفع رسوم، وهو نظام يستخدم بالفعل للسماح بمرور السفن المتجهة إلى الصين واليابان وباكستان. وأعلنت إيران أن الطريق سيظل مغلقاً أمام أي مشغلين مرتبطين بما يسمى ب “مشروع الحرية”، وهو عملية عسكرية أمريكية لحصار الشواطئ الإيرانية وتوجيه السفن بعيداً عنها.
وتشمل اللوائح الإيرانية الجديدة إلزام السفن العابرة بالتنسيق المسبق مع مراكز السيطرة البحرية التابعة للحرس الثوري، ودفع رسوم مالية محددة تحت مسمى “بدل خدمات متخصصة وتأمين مائي”. وتظهر بيانات من طهران أن هذه الآلية باتت تدر بالفعل عائدات مالية دورية للخزينة الإيرانية.
وكانت صحف قد نقلت عن إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي البرلمانية الإيرانية، قوله إن بلاده “أعدت آلية مهنية لإدارة حركة المرور عبر المضيق ستستفيد منها السفن التجارية والأطراف المتعاونة مع إيران فقط”، مشيراً إلى أن تفاصيل تلك الآلية ستكشف قريباً.
ويتكهن مراقبون بأن أكثر من عاصمة أوروبية باتت تميل إلى قبول هذه الصيغة وتبني خيار الواقعية السياسية لحماية مصالحها التجارية وتأمين تدفق إمدادات الطاقة الأساسية، متجاوزة الصيغ التقليدية للرفض الدبلوماسي القاطع لأي هيمنة إيرانية على المضيق.
هذا وبالتوازي مع المسار التفاوضي المستجد، تواصل مجموعة من الدول الأوروبية تعزيز حضورها العسكري في المناطق المتاخمة للخليج، ترقباً لإطلاق مهمة بحرية دفاعية مشتركة فور نضوج ظروف التسوية الشاملة. وتقود المملكة المتحدة وفرنسا هذا التحشيد عبر تحريك قطع استراتيجية وازنة تمثلت في تقدم حاملة الطائرات النووية الفرنسية “شارل ديغول” رفقة تشكيل من الفرقاطات وحاملات المروحيات البرمائية إلى جانب المدمرة البريطانية المتطورة “إتش إم إس دراجون” نحو نقاط التماس في الشرق الأوسط.
ويتكامل هذا الجهد الأنجلو-فرنسي مع مساهمات نوعية من عواصم أوروبية وغربية أخرى؛ إذ وجهت إيطاليا كاسحات ألغام حديثة من طراز “غايتا” وسفن إسناد لوجستي نحو المنطقة، في حين دفعت ألمانيا بسفينة الإمداد “موزيل” وصائدة الألغام “فولدا” لتكون في حالة جاهزية كاملة داخل مياه البحر المتوسط. كما قامت بلجيكا بتحويل مسار صائدة الألغام “بريمولا” من بحر البلطيق لتلتحق بالجهد المشترك، فيما أعلن قال وزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارلز إن بلاده “ستساهم في هذا الجهد الدفاعي بطائرة E-7A للإنذار المبكر”.
ويهدف هذا الحشد إلى بناء شبكة أمان تقنية قوية قادرة على التعامل مع الألغام البحرية وحماية السفن من المسيرات باستخدام منظومات دفاعية متطورة مثل زوارق “كراكين” المسيرة، وطائرات “تايفون” البريطانية المتمركزة في قطر.
على أن مقترح الممثلة الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، الرامي إلى توسيع تفويض عملية “أسبيدس” البحرية الدفاعية – مهمة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي أنشئت في 2024 لحماية السفن في البحر الأحمر والمحيط الهندي من هجمات الجيش اليمني – ليشمل مضيق هرمز، يضع البنية الدفاعية الأوروبية أمام اختبار أولوية حرج. فبينما تدفع دول جنوب أوروبا والمناطق المتوسطية نحو هذا التوسيع لتأمين خطوط إمداد الطاقة والغاز المسال، تبدي دول شرقي القارة وبحر البلطيق تحفظات حذرة ترتبط بمخاوف توزيع القدرات العسكرية المحدودة.
وتعبر عواصم مثل فيلنيوس وريغا عن خشيتها من أن يؤدي سحب القطع البحرية المتطورة وصائدات الألغام نحو منطقة الشرق الأوسط إلى إضعاف جبهة الردع المشتركة أمام التحركات العسكرية الروسية في شمال أوروبا وبحر البلطيق. ويسلط هذا التباين الضوء على التحديات الهيكلية التي تواجه العمل الدفاعي الأوروبي المشترك، حيث تصر دول الطوق الشرقي على أن دورها في حماية الحدود البرية والبحرية لأوروبا يستوجب تركيز الاستثمارات والقدرات البحرية في بيئتها المباشرة، وتفادي تشتيت القطع الحربية في مهام متباعدة جغرافياً.
وقال روبرتاس كاوناس، وزير دفاع ليتوانيا، إن بلاده تدعم نهجا “360 درجة” في تولي الأمن الأوروبي، بما في ذلك المشاركة في مهمة هرمز، لكنه حذر الحلفاء “من فقدان التركيز على موسكو”، وأضاف: “هذه المهمة حيوية جداً لليونان وإيطاليا ودول أخرى، وليتوانيا أيضاً، لكن يجب علينا أيضا أن نظهر لبقية أوروبا أن أكبر تهديد الآن يأتي من الشرق، من روسيا وبيلاروسيا.”
واشنطن ليست بعيدة عن هذه التحركات الأوروبية المزدوجة بين الدبلوماسية والتعبئة العسكرية، التي يرى مراقبون أنها تندرج ضمن استراتيجية متكاملة تعتمد على الضغط الأقصى على إيران وتوزيع المهام مع الحلفاء. وتتولى القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) فرض حصار بحري صارم على الموانئ والمنشآت الإيرانية في خليج عمان، حيث نجحت القوات الأمريكية في توجيه وإعادة مسار عشرات السفن التجارية لضمان الالتزام بقرار الحظر البحري المفروض، مع ترك هامش حركة للقوى الأوروبية للقيام بأدوار تكتيكية موازية. ويتيح هذا التوزيع الضمني للأدوار حماية الأسطول الأمريكي من الاحتكاك المباشر مع زوارق الحرس الثوري داخل الممرات الضيقة للمضيق، مما يقلل احتمالات الانزلاق نحو مواجهة شاملة، في وقت توفر فيه الأقمار الصناعية ومنظومات الاستخبارات الأمريكية الدعم اللوجستي والمعلوماتي الآني للقطع الأوروبية المتمركزة في المنطقة.
وتهدف واشنطن من خلال هذا التشدد الميداني إلى خلق قوة دفع تضمن انتزاع تنازلات جوهرية من طهران، فيما تتيح سياسة الانخراط الأوروبي مع إيران كسر معادلة الأمر الواقع الحالية في مضيق هرمز التي تفرض ضغوطاً متصاعدة على حركة التجارة العالمية.
وانخفضت حركة السفن في المضيق من نحو 138 سفينة يومياً قبل شن العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران إلى نحو ست سفن فقط جراء المخاطر الأمنية الحالية. وتنعكس هذه الأرقام مباشرة على سلاسل التوريد عبر الارتفاع القياسي في كلفة التأمين البحري، واضطرار الشركات إلى اعتماد مسارات بديلة وطويلة للدوران حول رأس الرجاء الصالح.
وتعول الدوائر الاقتصادية الأوروبية على أن تؤدي المفاوضات الجارية مع طهران، بالتوازي مع الترتيبات الفنية للتحالف الدولي، إلى خلق صيغة عبور مستقرة تقلل من تقلبات أسواق النفط والغاز المسال. ويرى خبراء الشحن أن القبول الأوروبي الضمني بدفع الرسوم الملاحية وبدء التنسيق المباشر يمثل حلاً مؤقتاً لتفادي أزمة طاقة خانقة، بانتظار بلورة اتفاق سياسي شامل بين واشنطن وطهران ينهي مفاعيل الحصار المتبادل.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-05-19