الصراع على رئاسة حزب العمال البريطاني..
هل هناك أصابع اسرائيلية تحركه؟
ومن هو المرشح الأكثر حظا لكي يخلف كير ستارمر؟
د. سعد ناجي جواد*
اشتد الصراع في الايام القليلة الماضية على رئاسة حزب العمال البريطاني، وبالنتيجة على منصب رئيس الوزراء، (حيث يمكن استبدال رئيس الوزراء بعضو من نفس الحزب دون الذهاب لانتخابات عامة). وهذه الظاهرة هي ليست بالجديدة على الساحة السياسية البريطانية. ففي كل مرة يشعر فيها أعضاء ونواب اي حزب، وخاصة الحزبين الكبيرين العمال والمحافظين، ان شعبية حزبهم قد انخفضت او ان نتائج انتخابات محلية قد أدت إلى خسران مقاعد في دوائر يعتبرونها من (قلاعهم) التقليدية، تتجه الأنظار إلى أداء رئيس الحزب ووضع اللوم عليه. وهذا ما تزايد داخل حزب العمال البريطاني مؤخرا، بعد ان أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة نجاح حزب الإصلاح المستقل (اصلاح المملكة المتحدة) الذي أسسه نايجل فراج، (وبكمية اقل حزب الخضر) في انتزاع مقاعد لصالحهما كانت محسومة تقليديا للعمال. وكالعادة في اجواء السياسة الشعبوية التي سادت مؤخرا، تناسى الناخبون الأساليب الملتوية والأكاذيب التي اطلقها فراج لكي يروج لفكرة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي ونجح في ذلك. (بعد الانتخابات بدأت الحكومة في اعادة نشر بعض تلك الأكاذيب التي اطلقها لتضليل الناخبين، واضيف إلى ذلك إثارة قضية اخرى ضده أخضعته للتحقيق على اساس انه تقبل هدايا مالية كبيرة جدا ولم يصرح بها لمصلحة الضرائب، وهذه مشكلة كبيرة في بريطانيا). المهم ان حزب فراج وحزب الخضر اليساري اقرعا جرس الإنذار في داخل قيادات حزب العمال، واشعرا قادته بان موقفهم سيصبح ضعيفا في اي انتخابات عامة قادمة، وهم الذين اكتسحوا الساحة السياسية بفوز كبير في انتخابات 2024.
لكن في حقيقة الامر ان الأزمة لم تبدا قبل أسبوعين مع ظهور نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة، وإنما بدأت في شباط/ فبراير الماضي عندما انتشرت ملفات ابستين اللااخلاقية الفاضحة، والتي شملت الاعتداء على قاصرات وأطفال من الجنسين، والتي طالت وجوه سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة حول العالم، كان من بينها اللورد بيتر ماندلسون، الذي كان رئيس الوزراء كير ستارمر، قد عينه سفيرا لبريطانيا في الولايات المتحدة. هذه الفضيحة أظهرت ان ستارمر قد تعجل في التعيين ولم يأخذ بعين الاعتبار الاعتراضات والملاحظات الكثيرة التي وردته عن ماندلسون وانحرافه الأخلاقي. وعلى الرغم من ان رئيس الوزراء قام بإلغاء ترشيح ماندلسون بعد الفضيحة، مدعيا بانه لم يكن على علم بهذه الممارسات اللاأخلاقية للمرشح، إلا ان خصومه، والصحافة المؤثرة، صعدت الموقف واتهمته بالكذب. وتم إخضاعه لاستجواب داخل البرلمان حول هذه المسالة. صحيح انه نجا من الاستجواب ولم يتم سحب الثقة منه، إلا ان مركزه تعرض لهزة كبيرة، حيث بدأت بعد ذلك سلسلة استقالات من حكومته وانتقادات ومطالبات له بالاستقالة ايض، على قاعدة ان رئيس الوزراء قد كذب وان التقارير عن ماندلسون كانت واضحة وانه تجاوزها امتثالا إلى لوبي مؤثر، (اللوبي الصهيوني)، لان السفير كان محسوبا على ذلك اللوبي ومن مؤيديه.
من ناحية اخرى، فان ستارمر، على الرغم من كل الملاحظات السلبية على أدائه واصطفافه مع سياسات الكيان الاسرائيلي المحتل، إلا انه اتخذ خطوتين أفقدته تأييد ذلك اللوبي: الاولى هي الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وذلك في أعقاب عملية طوفان الأقصى والمجازر الكبيرة التي ارتكبها جيش الاحتلال ضدّ الفلسطينيين، وخاصة في غزة. هذه الخطوة، على الرغم من رمزيتها، إلا انها اغضبت حكومة الاحتلال ومؤيديها داخل بريطانيا كثيرا. والثانية هي امتناعه عن الاشتراك في الحرب الأمريكية-الاسرائيلية على ايران بشكل فاعل، ومن ثم رفضه الانضمام إلى التحالف العسكري الذي نادى به الرئيس دونالد ترامب لفتح مضيق هرمز بالقوة. والقرارين أثارا ضده حفيظة ترامب الذي وجه له انتقادات لاذعة وفي بعض الأحيان غير مؤدبه. ولهذا فهناك راي يقول انه على الرغم من ان السيد ستارمر هو من ممارسي الطقوس الدينية اليهودية أسوة بزوجته، وانه مناصر لإسرائيل بصورة عامة، فان هذان القراران أثارا ضده حكومة الاحتلال والرئيس ترامب. ويقول اصحاب هذا الرأي ان الأزمات التي يعاني منها ستارمر هي بالاساس نتيجة للقرارين اللذين أشير اليهما أعلاه. وكدليل آخر على هذا العامل ان اهم المرشحين لمنافسته الان هم من الذين عرفوا بدعمهم الكامل للسياسات الاسرائيلية والساكتين عن المجازر التي ترتكب في غزة.
بالنسبة للصراع الدائر داخل حزب العمال، فان العملية بدات ببعض الاستقالات من قبل وزراء في الحكومة، (وزراء البيئة والصحة، والعدل، والداخلية)، وبعض الموظفين الكبار في الادارة. ولكن كل هذه الاستقالات لم تؤثر كثيرا على مركز رئيس الوزراء، او بالأحرى لم تضعفه إلى الدرجة التي تجعله يقدم استقالته، بل على العكس، فانه اصر على التحدي والقول بانه سيقاتل حتى النهاية للاحتفاظ بمنصبه. وهذا التحدي لم يأت من فراغ وإنما استند إلى جملة حقائق. الاولى انه لا يزال يمتلك تأييد حوالي مائة نائب من أعضاء الحزب داخل مجلس النواب، وهؤلاء يمكن ان يُفشِلوا اي تحرك داخلي لسحب الثقة منه، والثانية ان ايا من منافسيه لم يحصل على تأييد العدد المطلوب من نواب الحزب لدعم ترشيحه، والثالثة والاهم ان هناك ملاحظات سلبية مهمة على كل واحد من منافسيه. فوزير الصحة، ويس ستيرتينغ، ظهر انه يرتبط بعلاقة متينة جدا مع السفير السابق ماندلسون، الذي كانت فضيحته السبب الاساس في المشكلة، ووزير البيئة، ايد ميلباند، كان سبق وترأس الحزب للفترة من 2010 إلى 2015 ولكنه فشل في انتخابات ذلك العام امام حزب المحافظين. اما المرشحة المحتملة الاخرى، انجيلا راينر، التي عملت نائبة لستارمر، فانها سبق وان اُجبِرت على الاستقالة لوجود مخالفات تهرب ضريبي عليها، وان القرار الذي صدر مؤخرا بتبرئتها من هذه التهمة لم يسعف حظوظها. وكذلك الحال مع وزيرة الداخلية المستقيلة التي اتهمت بانها تحاول ركوب الموجة اليمينية المتطرفة وخاصة بالنسبة لقضية لجوء الأجانب إلى بريطانيا. اما من طالب بعودة رئيس للحزب اليساري الاسبق جريمي كوربن، فلقد جوبه بهجمة اللوبي الصهيوني الرافضة
التي اتهمته بالتعاطف مع حركة حماس (الارهابية) وبانه (معاد للسامية) وذلك بسبب تأييده الثابت للحقوق الفلسطينية. (هناك مرشحة اخرى من داخل الحزب طرحت نفسها، كاترين ويست، وهي تحمل جنسية مزدوجة استرالية-بريطانية، لكن حظوظها معدومة تماما). الحقيقة الرابعة فان عقلاء حزب العمال بصورة عامة يتخوفون من ان تؤدي هذه الأزمة إلى ان يدخل الحزب في ازمة مشابهة لتلك التي مر بها حزب المحافظين بعد الخروج من الاتحاد الأوربي، مما أدى إلى تعاقب عدة أشخاص في فترة قصيرة على رئاسة الحزب، فشلوا جميعا في اعادة الشعبية له، وبالنتيجة خسر انتخابات 2024 بصورة مخزية، ولهذا يحاول قادة الحزب الحفاظ على وحدته حتى يظهر لهم مرشحا قادرا على حشد قيادة الحزب. ويبدو ان هؤلاء وصلوا إلى قناعة بان هناك مرشحا واحدا يمكن ان يقلب الحالة، وهو السيد اندي برنهام عمدة مدينة مانشستر الحالي، والذي يقولون انه يتمتع بشعبية كبيرة داخل حزب العمال. لكن مشكلة برنهام تتمثل في انه ليس عضوا في البرلمان، وبالتالي لا يحق له ان يصبح رئيسا للوزراء. وعندما بدأت مشاكل ستارمر في شباط/فبراير الماضي تنبه العماليون لهذه الحقيقة ورتبوا لبرنهام المشاركة في انتخابات تكميلية، (حيث يقوم احد النواب بالاستقالة لأسباب صحية او شخصية ويرشح هو بدلا عنه)، وكانت الإحصاءات تقول انه كان سيفوز فيها بسهولة. إلا ان ستارمر، وخشية من منافسته، منعه من ذلك بدعوى ان منصب عمدة مدينة مانشستر المهمة اهم للحزب من منصب نائب في مجلس النواب (العموم)، وأنسحب الرجل. الان هناك محاولات قوية داخل اروقة الحزب لاعادة الكرة، خاصة وان ستارمر لم يعد في مركز قوي يمكنه من الاعتراض على هذا الحل. الملاحظة المهمة في هذا التنافس ان كلا من ستريتنغ وبرنهام هم أعضاء فاعلون في مجموعة (اصدقاء إسرائيل Friends of Israel) المتنفذة في بريطانيا، ويتلقون تبرعات من اعضائها. وكان ستريتنغ اول وزير في حكومة ستارمر يذهب بزيارة إلى إسرائيل غطت تكاليفها السفارة الاسرائيلية في لندن بصورة كاملة. اما برنهام فانه عندما كان نائبا، صوت لصالح الحرب على العراق التي راح ضحيتها اكثر من مليوني شخص. والآن في محاولات عودته للبرلمان فان الشخص المرشح للاستقالة من اجله هو نائب يهودي من اشد المناصرين لاسرائيل، (جوش سايمونز)، ليفسح له المجال لكي يصل للبرلمان و ينافس على منصب رئيس الوزراء.
اخيرا، ومهما كانت النتائج فان الأمر المؤكد ان عدم قدرة قادة حزب العمال على تجاوز هذه الأزمة باقتدار، واستمرار التنافسات داخله، والتي يصاحبها تراجع نفوذ وقدرات الحزب الكبير الثاني في بريطانيا، المحافظين، سيمكنان الأحزاب الأصغر، (الاصلاح والحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب الخضر)، في اي انتخابات قادمة، من لعب ادوار اكبر، وان حدث ذلك فان بريطانيا ستعود لكي تحكم من قبل وزارات ائتلافية ضعيفة (المكونة من اكثر من حزب) والتي ستزيد من إضعاف الدور البريطاني أوربيا ودوليا، والاهم ان اي رئيس وزراء يصل للحكم بحكومة ائتلافية سوف يكون ضعيفا واكثر اعتمادا على اللوبي الصهيوني.
كاتب واكاديمي عراقي
2026-05-17