صادق الصائغ: الأديب والمناضل الذي ظلّ يحمل الوطن حتى منفاه الأخير!
وليد الحيالي
لم يكن صادق الصائغ مجرد شاعر عراقي عابر في سجل الثقافة الحديثة، بل كان واحدًا من أولئك الذين اختلطت في حياتهم الكلمة بالموقف، والجمال بالتمرد، والمنفى بالحنين. عاش حياته أديبًا وفنانًا ومثقفًا ومناضلًا، وظلّ حتى أيامه الأخيرة مشدودًا إلى العراق، ذلك الوطن الذي خرج منه جسدًا، لكنه لم يغادره وجدانًا ولا كتابةً.
وُلد صادق الصائغ في بغداد عام 1936، ونشأ في زمن كانت فيه المدينة تغلي بالتحولات الفكرية والسياسية والثقافية. منذ شبابه المبكر انجذب إلى الأدب والفن، فكان الشعر مدخله الأول إلى التعبير عن القلق الإنساني، وعن أسئلة الحرية والعدالة والجمال. بدأت تجربته الأدبية بالبروز في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، قبل أن يصدر ديوانه الأول «نشيد الكركدن» عام 1978، وهو الديوان الذي ظلّ من أكثر أعماله حضورًا في النقد والذاكرة الثقافية العراقية.
تميّز الصائغ بأسلوب شعري حداثي، متمرّد على القوالب التقليدية، قريب من الحس السريالي، يذهب بالصورة الشعرية إلى مناطق غير مألوفة. لم يكن الشعر عنده زخرفة لغوية، بل وسيلة لاكتشاف الذات ومساءلة الواقع. لذلك جاءت قصائده محمّلة بالدهشة والرفض والاغتراب، كأنها مرايا لإنسان عراقي عاش بين الحلم والانكسار، وبين الرغبة في الحياة ومرارة الخسارات المتلاحقة.
ولم يكن صادق الصائغ شاعرًا فقط؛ فقد امتدت تجربته إلى الفن التشكيلي والخط العربي والصحافة والإذاعة والتلفزيون. درس الفلسفة في براغ بعد مغادرته العراق عام 1961، وعمل في القسم العربي لإذاعة براغ، ثم عاد إلى العراق عام 1967 ليعمل في الإذاعة العراقية، واشتهر ببرنامجه «الميكرفون وراء الحقيقة». كما عمل في مجلات وصحف عراقية، منها السينما والفنون وألف باء وطريق الشعب.
هذا التعدد في تجربته لم يكن تشتتًا، بل كان تعبيرًا عن شخصية ثقافية واسعة الأفق. كان يرى الفن موقفًا، والصحافة مسؤولية، والشعر شهادة. ومن هنا ارتبط اسمه أيضًا بالنضال الثقافي والسياسي؛ فقد كان قريبًا من الهم الوطني العراقي، ومن قضايا الحرية والعدالة، وانخرط في أوساط المثقفين العراقيين الذين دفعوا ثمن مواقفهم من الاستبداد والقمع والمنفى.
شارك الصائغ كذلك في تأسيس رابطة الكتّاب والصحفيين والفنانين العراقيين في بيروت، وهي محطة تكشف عن موقعه في الثقافة العراقية المعارضة خارج حدود الوطن، وعن إيمانه بأن المثقف لا يعيش لنفسه وحدها، بل يحمل مسؤولية الدفاع عن الإنسان والكلمة والذاكرة.
كانت حياة صادق الصائغ سلسلة من التنقلات بين بغداد وبراغ وبيروت ولندن. غير أن هذه المدن، مهما اتسعت، لم تستطع أن تعوّضه عن بغداد. فالمنفى عنده لم يكن مكانًا جغرافيًا فحسب، بل حالة وجودية: أن يكون الإنسان بعيدًا عن أرضه، محاطًا بالذكريات، يرى الوطن من نافذة الحنين، ويكتب عنه كما لو أنه يستعيده بالكلمات.
في لندن، انتهت رحلته الطويلة. فقد توفي صادق الصائغ في مطلع مايو/أيار 2026، عن عمر ناهز التسعين عامًا، بعد حياة حافلة بالإبداع والاغتراب والنضال، بعيدًا عن وطنه الذي كتب له وتغنّى به.
برحيله، خسر العراق صوتًا ثقافيًا فريدًا؛ شاعرًا لم يكتفِ بالشعر، وفنانًا لم يفصل الجمال عن الحرية، ومناضلًا أدرك أن الكلمة قد تكون وطنًا حين يضيع الوطن، وأن المثقف الحقيقي لا يقاس بعدد كتبه فقط، بل بقدرته على البقاء وفيًا للحقيقة حتى آخر الطريق.
لقد مات صادق الصائغ خارج العراق، لكنه لم يمت خارج ذاكرته. فالأدباء الكبار لا يُدفنون في المنافي، بل يعودون إلى أوطانهم عبر نصوصهم، وعبر محبة من عرفوا قيمة الكلمة الصادقة. وسيظل اسمه حاضرًا في سجل الثقافة العراقية الحديثة بوصفه أديبًا ومناضلًا، عاش للحلم، وكتب للإنسان، وظلّ يحمل العراق في قلبه حتى الرمق الأخير
2026-05-17