اوروبا بين نزعتين: الاطلسية والاوروبية!
وليد عبد الحي
عند التأمل في جغرافيا القارة الاوروبية ، فانها في خطوط الصدع(Fault line ) فيها كما اسماها هنتينغتون تتداخل حول البحرين الأسود وقزوين مع القارة الآسيوية، وهما فاصلان جغرافيان متقاربان ، بينما تبعد لشبونة البرتغالية عن واشنطن اكثر من 5700 كيلومتر، وقد تقترب اكثر لو حسبنا المسافة من غرينلند الى الحدود الكندية مع الولايات المتحدة، لكن المسافة تبقى كبيرة .
وتنازع اوروبا تاريخيا اتجاهان ، اتجاه مال الى المركزية “الاوروبية” والتي كان التيار الديغولي الفرنسي هو الاكثر اندفاعا نحوها، بينما كانت بريطانيا هي الاكثر نزوعا لنزعة اطلسية بحكم ثقل الموروث الانجلوسكسوني اللغوي والمذهبي الديني، وتقف هذه التباينات في مجمل القارة الاوروبية وراء التقسيم الجيواستراتيجي على النحو التالي:
أولا: دول اوروبية اعضاء في الاتحاد الاوروبي لكنهم ليسوا اعضاء في الناتو( اربع دول هي:النمسا وايرلندا وقبرص ومالطا)
ثانيا: دول اوروبية اعضاء في الناتو لكنهم ليسوا اعضاء في الاتحاد الاوروبي( 7 دول هي : بريطانيا، النرويج، آيسلندا ،البانيا، ومنتونيغرو (الجبل الاسود) ، مقدونيا الشمالية، تركيا).
ثالثا: دول اوروبية ليست في الاتحاد ولا في الناتو( 13 دولة هي: سويسرا، ليخنشتاين،اندورا، موناكو، سان مارينو، الفاتيكان، صربيا، البوسنة، كوسوفو، بيلاروسيا، روسيا، مولدافا واوكرانيا.)
رابعا: دول عضو في كل من الاتحاد والناتو(23 دولة هي: المانيا، فرنسا، ايطاليا ،اسبانيا، بولندا، هولندا، بلجيكيا، البرتغال، اليونان، التشيك، رومانيا، بلغاريا، كرواتيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، هنغاريا، استونيا، لاتفيا، ليتوانيا، الدنمارك، فنلندا، السويد، لوكسمبورغ)
ذلك يعني ان 47 دولة توزعت على النحو التالي:
أ- 23 دولة جمعت بين البعد التكاملي والامني (الناتو والاتحاد)،وهو ما يشكل 48.9% من اوروبا.
ب- 13 دولة ابتعدت عن الخيارين ،وهو ما يمثل 27.6%
ت- 7 دول في الناتو دون عضوية الاتحاد، وهو ما يمثل 14.9%
ث- 4 دول في الاتحاد دون الناتو، ويمثلون 8.5%
اي ان 49 % تقريبا جمع بين العضويتين ، وابتعد 27.6 عن كليهما. بينما اختار 24.4% احدهما
وما سبق يعطي صورة شقوق اوسع مما تشير له النظرة العابرة.
ما وراء ذلك ؟
تقف مجموعة من الاسباب التاريخية والثقافية والاستراتيجية وراء هذا التوزع في الانتماء، فمن سيطرت عليه هواجس امنية بخاصة مع تطور القوة السوفييتية مال للناتو اكثر ، ومن كان هاجسه نظريات التكامل الدولي (نظريات ديفيد ميتراني، وأرنست هاس وكارل دويتش، واتزيوني وبروس روسيت ..الخ) مال لتعزيز الاتحاد الاوروبي الذي تغذى على نظرية البديل الاخلاقي للحرب التي طرحها نورمان انجيل ، وهناك من تجاذبته النزعتان التكاملية والامنية معا.
لكن المشكلة هي ان تطور آليات العولمة (الترابط العضوي) اضعف وبشكل تدريجي الروابط الآلية، فاصبحت اوروبا –شأنها في ذلك شأن دول كثيرة اخرى- تنزع للتكامل العضوي(من السوق المشتركة للاتحاد الاوروبي) على حساب النزوع الامني التقليدي بخاصة مع تفكك الاتحاد السوفييتي، لكن تفكك الاتحاد السوفييتي وضع نظريات التكامل في موقف الحرج الشديد، فالترابط العضوي بين مكونات الاتحاد السوفييتي كانت اقوى من مكونات الترابط الآلي، لكنه تفكك، لان التاريخ أبى ان يتوارى خلف شركة الروابط العضوية، ومن هنا يمكن فهم التوزيع الذي اشرنا له في اوروبا بين الناتو والاتحاد.
ان الخلل العميق في توجهات ترامب ونخبته الحاكمة الآن هو انهم ارادوا التحلل من الارتباط العضوي الامني لحساب ترابط عضوي اقتصادي مغلف بتهديد أمني ،أي انه أحل التهديد محل الترابط ،واحل الترابط القسري محل الترابط التكاملي ،وهو ما استفز اوروبا حتى اكثرها قربا لواشنطن.
ومن الواضح ان ما رفضه الاوروبيون من ترامب ، قبله اغلب العرب ،مع الاخذ في الاعتبار ان الترابط العضوي بين العرب لا يتجاوز نسبة سُدس الترابط العضوي الاوروبي ، وهو ما يجعل قوة الجذب للترابط الامني العربي مع الولايات المتحدة تزداد قوة خلافا لوزن الترابط العضوي بين الاوروبيين والذي مكنهم من بعض الندية من ترامب..وهنا تكمن الكارثة العربية …ربما
2026-05-17