استغلال العدوان على إيران!
الطاهر المعز
يندرج العدوان على إيران ضمن حرب شاملة تقودها الإمبريالية الأمريكية وتنفذها بمعية الكيان الصهيوني في منطقة ما يُسمى -الشرق الأوسط- ضد أي محاولة استقلال أو ابتعاد عن برامج ومخططات الإمبريالية والصهيونية التي وسعت رقعة العدوان ليشمل فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران والقرن الإفريقي، بتواطؤ من الإتحاد الأوروبي والدول الإمبريالية الأخرى، وهذا لا ينفي وجود خلافات بين هذه القوى، ورغم التأثيرات السلبية للحرب على اقتصاد مجمل دول العالم، بفعل إغلاق مضيق هرمز واضطراب حركة التجارة وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والمواد الخام، كما أكد هذا العدوان حدة المواجهة بين الصين والولايات المتحدة التي اعتبرت الصين ليس منافسا أو خصما اقتصاديا وتجاريا فحسب، بل عدوا وجبت محاربته في أمريكا الجنوبية -فنزويلا – وفي الخليج، وحتى في عقر دار الصين -في تايوان ومضيق ملقا – بأشكال ووسائل متعددة، والإطاحة به إن أمكن لأن الصين بدأت منذ سنة 2013 – في ظل رئاسة باراك أوباما الذي قرر حصار الصين ونقل نسبة 60 % من قوات البحرية الأمريكية إلى الممرات المائية الرئيسية التي تمر منها تجارة الصين – الإلتفاف على الحصار الأمريكي، وأطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق المتمثلة في تطوير شبكة الاتصالات والتجارة وتصدير السلع بين آسيا وأوروبا، مرورًا بالبحر الأبيض المتوسط ومنطقة أوراسيا، وتستحوذ الصين على حوالي 90 % من الصادرات النفطية الإيرانية، ولذا تحاول الولايات المتحدة، من خلال العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، تقويض أُسُس نمو الصين، وخلق اضطرابات في إمدادات الطاقة وحركة التجارة الصينية وتهديد الإستثمارات الصينية في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، في إيران وفي منطقة غرب آسيا والقرن الإفريقي، ضمن المنافسة بين هاتَيْن القُوتَيْن الرأسماليتَيْن، والسيطرة على سلاسل التوريد العالمية، والمعادن النادرة ومُعدات التكنولوجيا والإتصالات، أي إن العدوان على إيران جزء من هذا الصراع الشامل…
المستفيدون من الحرب
تضرر المواطنون والمزارعون في معظم بلدان العالم من ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة في السوق الدولية. أما شركات النفط الدولية فقد علقت جزءا من نشاطها في الخليج، ومع ذلك ارتفعت أرباحها بفعل ارتفاع أسعار النفط والغاز في السوق الدولية، بينما تضررت قطاعات الصناعات التحويلية النهائية التي يمثل الغاز 80 % من تكلفة إنتاجها، بفعل اضطراب سلسلة التوريد، مع تضاعف سعر الغاز منذ بداية العدوان ارتفعت تكاليف صناعة العديد من المنتجات الصناعية والزراعية
الاضطرابات في سلسلة التوريد).
استغلت شركات البتروكيماويات الأمريكية الصعوبات التي تواجهها الصناعات الأوروبية، لتزيد من صادراتها إلى أوروبا بنسبة حوالي 30 % منذ سنة 2019، لأن الشركات الأمريكية قائمة على الغاز الصخري المحلي بالسعر المنفصل عن تقلبات السوق العالمية، فيما خفضت الصين من مبيعاتها إلى أوروبا التي تعاني من ارتفاع تكلفة الطاقة وارتفاع أسعار الشحن ثلاثة أضعاف، مع ارتفاع عدد أيام الرحلات التجارية عبر البحار، حيث تمثل الشحنات البحرية نحو 80 % من التجارة العالمية…
يُؤثر العدوان الأمريكي الصهيوني على جميع قطاعات النشاط الصناعي، وسبق أن أعلنت الدول الأوروبية نموا ضعيفا متوقعا لسنة 2026، بأقل من 1 % بفعل انخفاض الإستثمار والإستهلاك وتباطؤ تدفق الطاقة والسلع، بينما تستغل الولايات المتحدة ضعف النمو في آسيا وأوروبا لترتفع تنافسية شركاتها لأن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز.
استفادت شركات النفط الكبرى – ومعظمها أمريكية – من ارتفاع أسعار المحروقات، كما استفادت بعض الشركات الأوروبية، ومن ضمنها توتال إنيرجيز الفرنسية التي تحقق أرباحًا طائلة منذ سنوات عديدة، ومع ذلك فهي معفية من الضرائب لأنها تعلن مقرها في الملاذات الضريبية، وتجمع ثرواتها من نهب محروقات البلدان النامية.
أوردت وكالة رويترز بتاريخ الرابع من أيار/مايو 2026 إن شركة شيفرون الأمريكية للمحروقات حذرت من نقص النفط الخام بسبب إغلاق مضيق هرمز وآثار العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، حيث انخفضت إمدادات المحروقات فلم تعد تُلَبي الطلبات، ومن المتوقع أيضا أن يؤثر النقص الكبير في الأسمدة بشكل كبير على قطاع الزراعة، مما قد يُحدث تباطؤًا لأهم اقتصادات العالم، وخصوصًا اقتصادات الدول الآسيوية التي بدأت تقنين استخدام الوقود – الفلبين وسري لانكا وميانمار وتايلند ونيبال وبنغلادش…-، كما يتوقع انخفاض الإنتاج الفلاحي في مجمل قارة آسيا وخصوصا في جنوب شرق آسيا، وكذلك في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وستواجه أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أكبر الأثر، وهي إلى جانب آسيا، من المناطق الأكثر اعتمادا على إنتاج الطاقة في الخليج، تليها اقتصادات أوروبا، في حين أن الولايات المتحدة ستكون أقل تأثرا، لكنها لن تكون معفاة من آثار الأزمة، وتجدر الإشارة إن الولايات المتحدة التي أعلنت وقف إطلاق النار، تستمر في حصار الموانئ الإيرانية…
جبهة ضد الصين
تُشرف الإمبريالية الأمريكية، من خلال حصار إيران، على تنظيم وقيادة جبهة حرب اقتصادية ضد الصين في محاولة لمواجهتها في أسواق المعادن – كالمعادن النادرة والنحاس والنيكل… – والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي، وسعت الولايات المتحدة إلى توقيع عقود مع مجموعة من الشركات في قطاع التكنولوجيا لإعداد مقاطع فيديو تقدم الصين كتهديد تكنولوجي، لتبرير سلبيات السياسة الاقتصادية الأمريكية، والإدعاء إن حكومة الصين تقف وراء رفض بناء مراكز بيانات جديدة في الولايات المتحدة وعرقلة التطور التكنولوجي الأمريكي، وتعلل الولايات المتحدة ب “الأمن القومي”..
2026-05-16