“كوهين” في محرابِ الحبر: حينَ نحرَ الجاسوسُ عنقَ الثقافة بسكّينٍ من حرير!
زَيد حمد
لم يهبط “كوهين” على دمشق كنيزكٍ من نار، بل انسلّ إليها كقطرِة سُمٍّ تتسلّلُ في كأسِ الماء. لم يقرع طبولَ الحربِ على بوّابةِ الثكنة، بل دقّ بأصابعِه المخمليّةِ على بابِ المحبرة. كان يعلمُ أنّ احتلالَ المدنِ يبدأُ باغتصابِ قواميسِها، وأنّ ذبحَ الجيوشِ لا يتمُّ إلا بعدَ نحرِ المعنى على مذبحِ البلاغةِ الكاذبة. لهذا اختارَ الكُتّابَ والمثقّفين: سدنةَ الهيكلِ وحُرّاسَ الذاكرة، فجعلَ منهم سلّماً يصعدُ عليهِ إلى قلبِ الوطن، ثمّ أشعلَ النارَ في السلّم.
“كوهين” باسمِ كامل أمين ثابت لم يقدّم نفسَه كجنديٍّ يلبسُ الخوذة، بل كقِدّيسٍ عائدٍ يلبسُ عباءةَ الحبر. تاجرٌ تفوحُ منهُ رائحةُ المال، قوميٌّ يُزايدُ على تماثيلِ القوميّة، قارئٌ يلتهمُ بدويَّ الجبلِ ونزارَ قباني كما يلتهمُ الجرادُ سنابلَ القمح. بهذهِ الوثيقةِ المزوّرةِ فتحَ أقفالَ صالوناتِ دمشقَ قبلَ أن يفتحَ أقفالَ خزائنِها العسكريّة. فصارَ الثعبانُ ناقداً أدبيّاً.
جورج سالم سيف، بوّابُ الهواءِ ورقيبُ الصحف، لم يقدّمهُ للسامعينَ كضيفٍ عابر، بل كبشيرٍ نزلَ من السماء. أجلسَهُ على عرشِ الميكرفونِ في إذاعةِ دمشقَ وصاحَ في الملأ: هذا ابنُكم الذي كانَ ضالاً فاهتدى، وعائدٌ ليغسلَ قدمي الوطنِ بمالِه وحبرِه. كانت تلكَ الدقائقُ المسمومةُ صكَّ غفرانٍ لا يُردّ. من يمسحُ على رأسِه كفُّ الدولةِ يصيرُ نبيّاً لا يُسأل. ومن يومِها صارَ كامل ظلَّ اتحادِ الكُتّابِ اللصيق، يُلقي مواعظَهُ عن دورِ المثقفِ في كتيبةِ التحرير، ويُصفّقُ للرداءةِ إن كانت ترتدي زيَّ الواقعيّةِ الثوريّة. فصارت الإذاعة معموديّةُ الخديعةِ الأولى.
مسلخٌ مُعطّرٌ بالعود، بيتُهُ الشاهقُ الذي يُحدّقُ في عيونِ وزارةِ الدفاعِ لم يكن بيتاً، كان معبداً وثنيّاً تُقدَّمُ فيهِ قرابينُ الأسرار. مائدةٌ من خشبِ السنديانِ يجلسُ إليها الضابطُ وقد علّقَ نجومَهُ على المشجبِ مع بندقيّتِه، والوزيرُ وقد خلعَ جلدَ الوقارِ ووضعهُ تحتَ الطاولة، والشاعرُ يريقُ من شريانِ ذاكرتِه دمَ الجبهةِ وهو يحسبُ أنّهُ يسكبُ نبيذاً لقصيدة. وكامل؟ كاملٌ كان كبيرَ الكهنة، يسقي هذا ويذبحُ ذاك. يهمسُ بأسئلتِه المُعسّلةِ كمن يهمسُ بتعويذة: أليسَ من حقِّ جُندنا أن يستظلّوا بشجرٍ على خطِّ النار؟ فيبدو السؤالُ غيمةً حُبلى بالمطر، وهو في الحقيقةِ صاعقةٌ تُرسلُ إحداثيّاتِها إلى تلِّ أبيب. أحمد هيثم القطب ظنّهُ يُلقّنُ تلميذاً درساً في الاقتصاد، فإذا بهِ يفتحُ لهُ صدرَ الخزينةِ ويُريهِ أينَ يطعن. وحيد القطب أراهُ دمشقَ من كوّةِ الطائرةِ كمن يُري حبيباً وجهَ حبيبتِه، فإذا بالغريبِ يُصوّرُ قلبَها بالأشعّةِ ويُحصي كلَّ عرقٍ نابضٍ فيها ليقطعَه.
قدّمَ نفسَهُ كقدّيسٍ راعياً للأدب. صبَّ ذهبَهُ في أفواهِ الشعراءِ الجياع، فأنطقَها بمديحِه. موّلَ طباعةَ دواوينَ كأنّها أكفانٌ من ورق، ودفعَ تذاكرَ سفرٍ لكُتّابٍ كي يعودوا إليهِ من مؤتمراتِهم مُحمّلينَ بالامتنانِ والمعلومات. اشترى بفضّتِه ذِمماً، وبذهبِه ولاءات. صارَ الأستاذ كامل كعبةً يحجُّ إليها كلُّ من كسرَهُ الفقرُ أو أضناهُ التهميش. وهكذا صارَ مديناً لهُ الوسطُ كلّهُ: هذا بقصيدة، وذاكَ بخبر، والآخرُ بصمت. المالُ ذا هو الحبرُ الذي يكتبُ صكوكَ العبوديّة.
“كوهين” لم يكن جاسوساً يتجوّلُ بعدسة، بل كانَ وباءً يتجوّلُ بابتسامة. مهمّتُهُ الأخطرُ لم تكن نسخَ الخرائط، بل حرقَ المطبعةِ التي تُنتجُ الخرائطَ في العقول.
في اتحادِ الكُتّابِ العرب فرع دمشق نفثَ سمَّ النميمةِ في رئةِ المكان. كانَ ينقلُ همسَ كاتبٍ إلى أذنِ آخرَ بعدَ أن يُضيفَ إليهِ ملحَ البارود، ويُشعلُ الحرائقَ بينَ السطورِ مُوحياً بأنّ في الغرفةِ طابوراً خامساً يرتدي عمامةَ الثقافة. سلّمَ مفاتيحَ الصالوناتِ إلى غرفِ التحقيق، فصارَ القلمُ يرتجفُ في يدِ صاحبِه خشيةَ أن يوشيَ بهِ الحبر. حوّلَ الاتحادَ من بستانٍ تتقابلُ فيهِ الفراشاتُ إلى حلبةِ ذئابٍ ينهشُ بعضُها بعضاً. فتكسّرت مرايا الثقة، وصارَ الوسطُ الأدبيُّ مقبرةً يتربّصُ فيها الموتى ببعضهم، وهربت أقلامٌ كثيرةٌ كطيورٍ رأت الصيّادَ يلبسُ زيَّ بستاني.
وعبرَ خيوطِه التي نسجَها حولَ جورج سيف في إذاعةِ دمشق والصحافةِ الرسميّة، صارَ يُملي تعاويذَهُ على سدنةِ الخطاب. دفعَهم نحوَ لغةٍ خشبيّةٍ مُنتفخةٍ كجثّة، خطابٍ تعبويٍّ يُشبهُ بالوناً فارغاً يُحلّقُ بعيداً عن أرضِ الواقع، يُنفخُ فيهِ تمجيدُ السرابِ وتخوينُ كلِّ من يفتحُ نافذةً للهواء. فأفرغَ جسدَ الإعلامِ الثقافيِّ من روحِه، وحفرَ خندقاً من الجليدِ بينَ المثقفِ والناس، حتى تحوّلَ المثقفُ إلى ببغاءٍ أجربَ يفقدُ ريشَهُ كلّما نطق، ويصيرُ صوتُهُ قذىً في آذانِ السامعين.
واستغلَّ قربَهُ من رقيبِ المطبوعاتِ ليهمسَ في أذنِه أنّ الخطرَ كلَّ الخطرِ يكمنُ في الاستعارةِ التي تُغمز، والرمزِ الذي يَلمز، والنقدِ الذي يوقظُ النائمين. حرّضَ بيدٍ ترتدي قفّازَ الحرصِ على خنقِ الأقلامِ التي تتنفّسُ صدقاً، بحجّةِ تحصينِ الجبهةِ الداخليّة. فذُبحت القصيدةُ الحرّةُ بسكّينِ الخوف، ونبتَ على قبرِها عشبُ المديحِ وأدبُ الولائم، كطحالبَ خضراءَ تُغطّي وجهَ بحيرةٍ آسنة. وجفّت ينابيعُ الفكرِ الذي كانَ من المفترضِ أن يكونَ درعَ الأمّة.
وكانَ يرتادُ مدرّجاتِ الجامعةِ والصالوناتِ الفكريّةِ متدثّراً بعباءةِ التلميذِ النجيب، وعيناهُ كاميرتانِ تُسجّلانِ الأسماءَ والوجوه. يدسُّ أسماءَ الأساتذةِ والطلبةِ الذينَ في عيونِهم جمرُ السؤالِ في تقاريرِهِ المُشفّرةِ إلى الموساد. ويُشيعُ أنّ في الحلقةِ الفلانيّةِ رائحةَ مؤامرة. فانقضّت الكلابُ البوليسيّةُ على حرمِ الجامعة، وسِيقَ الأكاديميّونَ إلى الزنازينِ لأنّهم تجرّأوا على الحلم، وتسمّمَ هواءُ الحرمِ بغازِ الترهيب، حتى صارت الجامعةُ ثكنةً تُنتجُ ببغاواتٍ تُردّدُ ما يُملى عليها، بعدَ أن كانت بركاناً يقذفُ بالأسئلةِ التي تُرعبُ الطغاة.
الكارثةُ لم تكن في ورقةٍ سُرّبت أو موقعٍ كُشف. الكارثةُ كانت في هندسةِ الخرابِ الذي يسري في الدم.
أولاً: تسميمُ معجمِ الدم. جعلَ من لفظةِ الوطن سلعةً على لسانِ قوّاد، ومن الثقافة قناعاً يلبسُهُ اللصّ، ومن المقاومة تُهمةً جاهزة. فصارَ المثقفُ الشريفُ يتلعثمُ إن نطقَ بها، كأنّهُ يسرقُ مفرداتٍ من بيتِ دعارة، وصارَ الصدقُ يحتاجُ إلى شهودِ زورٍ كي يُصدّق.
ثانياً: تأميمُ الريبة. بعدَ أن سقطَ القناعُ عن وجهِه، صارت الدولةُ ترى في كلِّ مقهىً ثقافيٍّ وكراً للجواسيس، وفي كلِّ دفترٍ مشروعَ مؤامرة. هو الذي أهدى الاستبدادَ سيفَهُ المُذهّب: لا تثقوا بهؤلاءِ الذينَ يحملونَ الأقلام، فربّما يكونُ بينَهم كامل أمين ثابت جديد. فصودرت الأحلامُ من رفوفِ المكتبات، وصارَ للحبرِ رائحةُ الخيانة.
ثالثاً: تصحيرُ الروح. نزفَ المشهدُ الثقافيُّ حتى الموت. هاجرت عقولٌ كالنوارسِ الهاربةِ من بحرٍ مسموم، وخرست حناجرُ كالآبارِ التي نضبت، وتحوّلَ من تبقّى إلى خصيانٍ في بلاطِ السلطانِ يُصفّقونَ لعُريِه. المؤسسةُ التي خُلقت لتكونَ ترسَ الأمّةِ ودرعَها في وجهِ العدو الصهيوني، غدت جثّةً مُحنّطةً تُنتجُ خطاباً مُتهالكاً يُقدّمُ للعدو الصهيوني خدمةَ العمر.
“كوهين” لم يُصوّب مسدّساً نحوَ رأسِ مثقف. كانَ أذكى من ذلك. هو علّمَ المثقفينَ كيفَ يُصوّبونَ مسدّساتِهم نحوَ رؤوسِ بعضِهم، ونحوَ رؤوسِ قرّائِهم، ونحوَ رأسِ الوطن وأهمِ مؤسسة ثقافية فيه..”اتحاد الكتّاب”.
لقد أدركَ باكراً أنّ الطريقَ إلى احتلالِ مرتفعاتِ الجولان، مُعبّدٌ بالجثِ التي تسقطُ في ردهاتِ اتحادِ الكُتّاب.
وأنّ أنجعَ سمٍّ لتقويضِ جيشٍ بأكملِه، هو أن تهمسَ في أذنِ شاعرِه: إنّ القصيدةَ التي لا تُصفّقُ للحاكمِ خيانة، وإنّ السؤالَ مؤامرة، وإنّ الصمتَ هو الفضيلةُ الوحيدةُ للعبيد.
فكانت النتيجة: اغتيالُ جهازِ المناعةِ في جسدِ الأمّة.
28/ نيسان/ 2026