غطرسة الإمبرياليين وصمت التقدميين!
الطاهر المعز
في مؤتمر ميونيخ للأمن، بتاريخ 14 فبراير/شباط 2026، أي بعد عام من تصريحات جيه. دي. فانس، ألقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابًا اتخذ فيه نبرة أكثر تصالحية تجاه أوروبا، مع ترديده في الوقت نفسه لموقف دونالد ترامب القومي والسيادي. يؤكد هذا الخطاب ما ذهب إليه السيناتور ليندسي غراهام من أن الصهيونية أصبحت المخطط الاستراتيجي للإمبريالية الأمريكية، وقادرة على حشد الدعم لبرامجها التي تبدأ بتطويرها في فلسطين والشرق الأوسط، ثم توسع نطاقها عالميًا: إلى أرض الصومال، والأرجنتين، وفنزويلا – حيث جاء اختطاف مادورو ردًا على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل – وعلى أمل تدمير إيران، القوة العسكرية الأمريكية الهائلة في سعيها لتحقيق أهدافها الخاصة بالهيمنة العالمية. إذا كان ليندسي غراهام يزور تل أبيب كل أسبوعين، ويلتقي نتنياهو بترامب شهريًا، فذلك لأنهم يدركون أن نفوذهم على أصحاب النفوذ في واشنطن، المهووسين بالنتائج والأرباح قصيرة الأجل، في ذروته.
يبدو خطاب وزير الخارجية الأمريكي (ماركو روبيو) يوم الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 (مؤتمر مونيخ للأمن) أكثر اتزانًا من خطاب مواطنه جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ سنة 2025، مما طمأن الأوروبيين إلى حد ما، وصرّح ماركو روبيو بأن الولايات المتحدة وأوروبا تتشاركان مصيراً مشتركاً، لكنه حذّر من ضرورة عكس مسار التدهور الثقافي والاقتصادي في أوروبا، ووقف الهجرة الجماعية، ودعا خلال الخطاب نفسه، إلى “أوروبا قوية” تدعم رؤية الرئيس الأمريكي للنظام العالمي، وحظيت هذه التصريحات بتغطية إعلامية واسعة في وسائل الإعلام الأوروبية، رغم التصريحات السابقة لجيه دي فانن مباشرة بعد توليه منصبه ( شباط/فبراير 2025) ومًُلخّصها “إن التهديد الرئيسي لأوروبا ليس روسيا ولا الصين، بل الطريقة التي خانت بها قِيَمَهَا من خلال قمع الحريات المدنية والسياسية “، فيما أعلن ماركو روبيو: “لا نريد أن يكون حلفاؤنا ضعفاء، لأن ذلك يضعفنا، بل نريد حلفاء قادرين على الدفاع عن أنفسهم حتى لا يجرؤ أي خصم على اختبار قوتنا الجماعية”، وبعد وقت قصير من خطاب وزير الخارجية الأمريكي، رفضت رئيسة الدبلوماسية الأوروبية، كايا كالاس، يوم الأحد 15 شباط/فبراير 2026، تصريحات المسؤولين الأمريكيين التي تميل إلى التقليل من شأن الإتحاد الأوروبي، بينما رحبت بتغيير اللهجة التي تبناها ماركو روبيو الذي ابتعد شَكْلاً عن خطاب “الكراهية للاتحاد الأوروبي في ظل إدارة ترامب فهل هو هدوء حقيقي أم مُجرّد واجهة تهدف عدم تأجيج التوترات عبر الأطلسي”، وفق تساؤلات صحيفة “لوموند” التي لاحظت إن وزير الخارجية الامريكي ذَكَر القارة الأوروبية عدّة مَرّات، ولم لم ينطق باسم الاتحاد الأوروبي ولو لمرة واحدة، ولم يذكر كلمة واحدة عن التهديد الروسي “، كما تضمّن خطاب وزير الخارجية الأمريكي مواضيع عزيزة على الرئيس دونالد ترامب تتراوح بين الهجرة الجماعية وتراجع التصنيع في أوروبا والإنتقاد اللاذع للأمم المتحدةن وأشارت “كايا كالاس” بشكل مباشر إلى دونالد ترامب، قائلةً: “على عكس ما قد يقوله البعض، فإن أوروبا ليست منحلة ومتطرفة، وليست مهددة بانهيار حضاري “، ودعت إلى “الحزم تجاه روسيا في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الصراع في أوكرانيا، وضرورة انتزاع تنازلات من موسكو ” .
بعد مؤتمر مونيخ، واصل ماركو روبيو جولته الأوروبية بزيارة حلفاء ترامب، فتوجه إلى براتيسلافا ( سلوفاكيا) يوم الأحد 15 شباط/فبراير 2026، حيث التقى رئيس الوزراء روبرت فيكو، وتركزت المناقشات حول التعاون النووي، وإمدادات سلوفاكيا من النفط والغاز الصّخري الأمريكي، والصراع في أوكرانيا، وحلف شمال الأطلسي، قبل أن يسافر جواً إلى بودابست ( عاصمة المَجَر) ليلتقي بفيكتور أوربان لمناقشة قضايا الطاقة واستثناء المجر من العقوبات الأمريكية المفروضة على واردات النفط والغاز الرّوسِيّيْن…
يُظهر خطاب ماركو روبيو الرجعي في ميونيخ أن تمجيد الاستعمار وأهواله الممتدة لقرون يهدف، وكنتيجة ملموسة فورية، إلى إسكات أي انتقاد لاستعمار فلسطين، والترويج لهذا الاستعمار حتى الإبادة الكاملة للفلسطينيين في غزة ثم في الضفة الغربية، والسخرية من قرار الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية الذي يؤكد وقوع الاستعمار بالفعل. في ميونيخ، حاول ماركو روبيو حشد تأييد الأوروبيين لهذه الاستراتيجية دون حتى ذكر اسم “إسرائيل”.
الخطة واضحة وضوح الشمس: بإمكان المستثمرين الجشعين ذوي الوجوه الثلاثة – ترامب، وكوشنر، وويتكووف – بناء فنادق فاخرة على ريفييرا غزة، وملؤها بنساء شرقيات على غرار جيفري إبستين، المجرم المالي والجنسي، لكن الأرض التي ستُعرض فيها مظاهر الترف والانحلال ستكون ملكًا للصهيونيين، الذين سيصدرون تأشيرات دخول ببيانات بيومترية… إن برنامج الإنسانية المناهضة للإمبريالية يهدف بالفعل إلى وضع حد نهائي للحقبة الاستعمارية، التي تُعدّ الصهيونية تجسيدها الأخير، البغيض، والقاسي.
في مؤتمر ميونيخ هذا، يُوضّح القادة الأمريكيون برنامجهم بشأن مستقبل الإمبراطورية الأمريكية. دعا وزير الخارجية ماركو روبيو إلى العودة إلى الاستعمار الغربي القديم، وأعلن: “يجب على الغرب العودة إلى الهيمنة”. وصرح السيناتور ليندسي غراهام بأن “حروبًا مستقبلية مُخطط لها في إسرائيل”. خلال مؤتمر صحفي عُقد يوم الاثنين في تل أبيب، عقب اجتماع مع بنيامين نتنياهو، قال غراهام: “أزور هذه المنطقة كل أسبوعين، سواء احتجت لذلك أم لا”. لماذا يسافر سيناتور من ولاية كارولاينا الجنوبية إلى فلسطين المحتلة كل أسبوعين؟ أجاب: “حروب المستقبل تُخطط هنا في إسرائيل… لأنك إن لم تسبق عدوك بخطوة، ستعاني. إن أذكى وأكثر القوات العسكرية إبداعًا على وجه الأرض موجودة هنا في إسرائيل”. أبدى غراهام حماسًا شديدًا لاحتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، مُقرًا بأن مثل هذه الحرب “قد تُسفر بالتأكيد عن هجمات صاروخية إيرانية على القوات الأمريكية في المنطقة”، لكنه أكد أن “على الولايات المتحدة أن تخوض الحرب… هل يُمكن أن يُصاب جنودنا في المنطقة؟ بالتأكيد. هل يُمكن لإيران أن تردّ إذا شنّينا هجومًا شاملًا؟” قال غراهام: “بالتأكيد”، مؤكدًا أن “المخاطر المرتبطة بهذا الأمر أقل بكثير من تلك المرتبطة بتجاهله، والتفكير في أمور أخرى، والتقصير في مساعدة السكان كما وُعد”. … في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم السبت 14 فبراير/شباط 2026، كشف وزير الخارجية ماركو روبيو عن وجهه في خطابٍ تحدث فيه عن ضرورة العودة إلى الأيام الخوالي حين كانت القوى الغربية تهيمن على الجنوب العالمي دون ذريعة أو عذر. “على مدى خمسة قرون، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، توسع الغرب: تدفق مبشروه وحجاجه وجنوده ومستكشفوه من شواطئه لعبور المحيطات، واستعمار قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات شاسعة امتدت عبر العالم… ولكن في عام 1945، ولأول مرة منذ كريستوفر كولومبوس، انكمشت هذه الحضارة الغربية. كانت أوروبا في حالة خراب. نصفها يعيش خلف ستار حديدي، وبدا أن النصف الآخر مُقدّر له أن يلحق به”. دخلت الإمبراطوريات الغربية العظيمة في انحدار نهائي، تسارع بفعل الثورات الشيوعية الملحدة والانتفاضات المناهضة للاستعمار التي من شأنها أن تغير العالم وتوسع مساحات شاسعة من الخريطة التي تحمل المطرقة والمنجل الأحمرين في السنوات اللاحقة للحرب العالمية الثانية…» يعترف ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المعادية للشيوعية، بأن الاشتراكية لعبت دورًا رائدًا في النضال ضد انتهاكات الاستعمار والإمبريالية في العالم الغربي، لكنه يصوّرها كشر مطلق. وحثّ روبيو الأوروبيين على الانضمام إلى إخوانهم المسيحيين البيض في الولايات المتحدة لاستعادة تأييد الشيوعيين والوثنيين ذوي البشرة الداكنة الذين أصرّوا على سيادتهم وتعزيز مصالحهم: «في ظل رئاسة ترامب، ستستأنف الولايات المتحدة مهمة التجديد والنهضة، مسترشدةً برؤية مستقبل فخور، ذي سيادة، وحيوي كحضارتنا الماضية. ورغم استعدادنا، عند الضرورة، للقيام بذلك بأنفسنا، فإننا نفضل ونأمل أن نفعل ذلك معكم، أصدقاؤنا هنا في أوروبا… فالولايات المتحدة وأوروبا متحدتان. تأسست أمريكا قبل 250 عامًا، لكن جذورها تمتد هنا في هذه القارة، قبل ذلك بكثير.» وصل الرجل الذي أسس وبنى الأمة التي ولدت فيها إلى شواطئنا حاملاً معه ذكريات وتقاليد وإيمان أجداده المسيحي كإرث مقدس، ورابط لا ينفصم بين العالم القديم والجديد. (…) نحن جزء من حضارة واحدة: الحضارة الغربية. تربطنا ببعضنا البعض أعمق الروابط التي يمكن أن تتشاركها الأمم، والتي تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك، والإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأصل، والتضحيات التي قدمها أجدادنا معًا من أجل الحضارة المشتركة التي ورثناها. أشاد ماركو روبيو بخمسة قرون من الاستعمار والإمبريالية الغربية الجامحة، ودعا إلى العودة إلى تلك الأيام المروعة: الإبادة الجماعية عبر قارات بأكملها، وتجارة الرقيق الأفريقية، والقمع العنيف واستعباد شعوب بأكملها، ناهيك عن الوحشية التي ترتكبها هذه “الحضارة الغربية” اليوم… إنها حضارة الإبادة الجماعية في غزة، الحضارة التي لا يمكنها البقاء دون حرب، دون استغلال مستمر وتجريد من الممتلكات، الحضارة التي تخنق كوبا، والتي تشن تدخلات عسكرية لتغيير الأنظمة التي لا تخضع للإملاءات الأمريكية أو الأوروبية، والتي تعلن الحرب على إيران. الحضارة التي تُخضع وتنهب الجنوب العالمي بعنف، حضارة الإبادة البيئية وإبستين… الحضارة الغربية هي الأكثر انحطاطًا وعنفًا على مر التاريخ. لا تحتاج إلى استعادة مجدها السابق؛ بل تحتاج إلى استئصالها في مهدها ورعايتها لمنع انتشار القادة الإمبرياليين الذين رفعتهم هذه الحضارة إلى مناصب السلطة.
بالنسبة لأولئك الذين لا تزال العدالة بالنسبة لهم مبدأً مجرداً، وخياراً لمن يرغب في دفع الثمن، فإنهم يرفضون الاعتراف بواقع الاستعمار. ومن خلال تحليل غضب ضحايا العالم المحتل نفسياً وتجريم التضامن، يصبح قطاع من التقدميين الأوروبيين متواطئين مع النظام القائم. ولا تسلم المنظمات التي تدّعي تجسيد الضمير الأخلاقي العالمي وتستند إلى القانون الدولي من هذه النزعة التقدمية الانتقائية. في يناير/كانون الثاني 2026، استقال عمر شاكر، “مدير منظمة هيومن رايتس ووتش لإسرائيل وفلسطين”، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها في المنظمة. والسبب: أن قيادة هيومن رايتس ووتش منعت نشر تقرير دقيق البحث يتهم إسرائيل بارتكاب جريمة ضد الإنسانية من خلال إنكارها المنهجي لحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وكان من المقرر إصدار التقرير، الذي تحققت منه جهات بحثية، في ديسمبر/كانون الأول 2025. ولكن وفقاً للقيادة، “كان من الممكن إساءة تفسيره على أنه تهديد ديموغرافي للهوية اليهودية لدولة إسرائيل”. هذا الخيار، الذي تحركه الضغوط السياسية أكثر من القانون، يكشف عن خلل جوهري: حتى أكثر المنظمات غير الحكومية مصداقية، التي يُفترض أنها تُطبق القانون دون خوف أو محاباة، تُفضل التأجيل والتسويف والمماطلة عندما يتعلق الأمر بفلسطين. عندها، تفسح العالمية المجال للحذر الجيوسياسي، وتتراجع الشجاعة، وتتخلى المؤسسة عن دورها أمام الضغوط. لم يعد هذا مجرد خلل أخلاقي، بل هو انهيار بنيوي للتماسك.
القضية الفلسطينية ليست قضية بعيدة، بل هي اختبار للتماسك، واختبار للشجاعة، واختبار للتفكير السليم. الشعب الفلسطيني لا يطلب التعاطف، بل يطالب بموقف ما زال الكثيرون يرفضون اتخاذه
ضعف البدائل
من جهة أخرى، لا يزال قطاع كبير من التقدميين خاملاً، عاجزاً عن التفاعل مع خطاب وأفعال الإمبريالية والقوى “الغربية”، وعن التعبئة للدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومتها. هؤلاء التقدميون الأوروبيون – حتى أولئك الذين قاوم أجدادهم الاحتلال الألماني – والتقدميون في أمريكا الشمالية يتحدثون عن العدالة الاجتماعية، والنسوية، والبيئة، وذاكرة الجرائم الأوروبية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالإبادة الجماعية التي ارتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني، فإن جزءاً كبيراً من التقدميين الغربيين لا يجرؤ على انتقاد الدولة الصهيونية ولا يدعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر الوطني. والأسوأ من ذلك، أن حتى العلمانيين، وقد تحرروا من أي إحساس بالتسامي، يلجؤون إلى “ثقافتنا اليهودية المسيحية”… ويتجرأ آخرون على القول: “لقد عاد اليهود إلى أرضهم”، ونادرًا ما يذكر التقدميون الغربيون المجازر التي ارتكبتها الميليشيات، ثم الجيش الصهيوني، وتدمير 532 قرية، والتهجير القسري لما يقرب من 850 ألف فلسطيني، الذين انتُزعوا من وطنهم وأُجبروا على مغادرته… يشارك بعض هؤلاء التقدميين الغربيين في أنشطة المنظمات غير الحكومية، ويطورون مشاريع وبرامج وورش عمل للحوار والتعايش بين المحتلين والأراضي المحتلة… ويصرحون بأن “المشكلة تنبع من متطرفين من كلا الجانبين يمارسون العنف” وأن “السلام سيتحقق عندما يتعلم المجتمعان فهم بعضهما البعض”، لكنهم لا يتناولون “القضية الفلسطينية” من منظور التاريخ الاستعماري. بل إنهم يتجرأون على شرح ضرورة انخراط الفلسطينيين في حوار مع من يسيطرون عليهم. يجدون هذا الأمر معقولاً، وعلامة على النضج والمسؤولية… إنهم يتحدثون عن السلام دون الإخلال بتوازن القوى، ولا بالنظام السياسي والإعلامي الذي ينشر ويكرر تلقائياً الرواية الصهيونية السائدة، والتي تجرّم التضامن مع فلسطين، والتي تشك في أي تصريح فلسطيني باعتباره تجاوزاً أو تهديداً.
2026-04-19