الطائفية السياسية في العراق!
علي رهيف الربيعي
ارتبط هذا النوع بقوة السلطة، وبدأت أولى ملامحه من قبل قوى خارجية، حاولت توظيف الجانب الطائفي لخدمة مصالحها في العراق، خاصة ابان الصراع العثماني – الإيراني والغزوات والتناحرات بينهما التي دارت على أرض العراق. وتقول الروايات التاريخية إن الأتراك أرادوا إثارة الفتنة الطائفية، من خلال استهداف رموز الشيعة في العراق، وتناغم الفعل الإيراني مع ذلك، في تصفية رموز السنة ، ليكون الإصطفاف على اساس طائفي، لتحصل الفرقة، ما يسهل السيطرة على القوة الثقافية والحضارية و الاجتماعية، التي يتميز بها العراقيون، ورغم إختلاف الوجوه واللغات والعناوين ، إلا ان العصا بقيت واحدة ومتشابهة في جميع العقود والقرون والحقب.
أما مظاهر الطائفية السياسية في العراق فقد بدأت تأخذ طريقها بقوة وعلى نطاق واسع وبصورة جلية بعد احتلال العراق من قبل أمريكا في التاسع من ابريل 2003، فكان اول شاهد بارز ودليل قاطع على وحدة المجتمع العراقي، هو عدم حصول اية حوادث ذات طابع طائفي، بعد احتلال بغداد، رغم الانعدام التام لوجود قوات الأمن ، وعندما جرت اول زيارة إلى كربلاء لمناسبة اربعينية استشهاد الإمام الحسين، بعد اسبوعين من الاحتلال ، لم يسجل اي حادث عنف أو اعتداء على زوار العتبات المقدسة، وقبل ذلك بادر عدد كبير من رجال الدين لتأدية صلاة مشتركة في مدينتي الكاظمية والاعظمية.
إن عدم حصول اي مظهر من مظاهر العنف في تلك المرحلة ، التي شهدت فراغا امنيا تاما ، يؤكد بالديل القاطع عدم وجود احتقان طائفي، علما بأن الأسلحة كانت متناثرة في الشوارع وتغص بها البيوت والأسواق بعد أن تعمدت القوات الأمريكية ترك المستودعات الضخمة للجيش العراقي مشرعة أمام العراقيين ، ونقل احد كبار المعلقين الأمريكيين، عن وزير الدفاع رامسفيد، أنهم اي القوات الأمريكية، قد تعتمدوا فتح المخازن أمام العراقيين، ولم تحصل اية اعتداءات أو مشاجرات بين العراقيين ، هذا يعني إلا وجود للطائفية الاجتماعية في العراق لأن اي نوع من الاحقاد الدفينة، سرعان ما تستغل الانفلات والفوضى الامنيين ، لتخرج إلى الميدان ، ولو كان هناك أي شكل من أشكال الطائفية الاجتماعية لظهر في ذلك الجو المناسب.
الا ان مظاهر الاحتقان والعنف الطائفي ، اخذت بالتصاعد مع المراحل التي مرت بها العملية السياسية ، بعد أن تم تشكيل مجلس الحكم ( منتصف يوليو 2003) على اساس عرقي وطائفي ، ليؤسس لأولى لبنات الطائفية السياسية في العراق، وجاءت الانتخابات الأولى التي جرت في 30 /1 /2005 والانتخابات الثانية ، التي جرت في 15 /12 /2005، لتثبت مرتكزات الطائفية السياسية في العراق ، من خلال إعتماد القوائم الانتخابية ، التي تمثل الطوائف والاعراق في العراق ، وحصلت عملية تثقيف طائفي من قبل الطرفين، ( الاحزاب السنية والاحزاب الشيعية)، كما لم يشهده العراق من قبل ، وجاءت نتائج الانتخابات على تلك الأسس، التي اعتمدت الولاء قبل الكفاءة والانتماء للطائفة قبل التفكير بمصلحة البلد العليا ومستقبل الأجيال، وانعكس ذلك على تشكيلة الحكومة، الأمر الذي جعل من الطائفية السياسية العنوان اليومي في حياة العراقيين.
من هذه المقاربة يمكن النظر إلى الظاهرة الطائفية في العراق، التي تتقدمها الطروحات والأفكار والجدل السياسي ، ومع هذا التناحر والاختلاف والبحث عن مناصب ومغانم في السلطة باسم هذه الطائفة أو تلك ، فإننا لم نجد صوتا اجتماعيا واحدا من وجهاء المجتمع يدق طبول الحرب الطائفية ولم يصدر من عشيرة أو قبيلة أو مدينة من هذه الطائفة أو تلك، ما يشير إلى انها تريد شن هجوم أو حرب على طائفة أخرى.
وهذا امر غير خافي على العراقيين، أو من بعض الجماعات والاحزاب السياسية، التي تدرك تماما إلا مستقبل لها في العراق، إذا بقى هذا البلد موحدا ومتماسكا، لا خلاف بين طوائفه واعراقه واديانه، وما يمكن قوله ، أن ما يحصل في العراق، هو محاولة للتأسيس لطائفية سياسية، وإذا ما نجح هذا التأسيس فإن اخطاره مستقبلا قد تتفاقم لأنها قد تخترق أسوار المجتمع العراقي الرصينة والمتماسكة.
2026 /04 /14