العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران:
مآزق بالجملة للحلفاء
تكشف المواقف المتباينة بين واشنطن والعواصم الأوروبية من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران عن أزمة عميقة لصيغة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ما لبثت تتفاقم في عهد إدارة الرئيس ترامب
سعيد محمد*
تشهد العلاقات عبر الأطلسي حالة من توتر غير مسبوق منذ عقود، على وقع العدوان الأمريكي / الإسرائيلي على إيران الذي يستمر لأسبوع رابع. ففي الوقت الذي تضع فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب ثقلها العسكري خلف العملية العسكرية الموسعة ضد المنشآت النووية والعسكرية والمدنية الإيرانية، لا تزال معظم العواصم الأوروبية متمسكة بسياسة الحذر، رافضة الانجرار إلى ما تصفه بـ”حرب لم تخطط لها ولم تطلبها”. هذا التباين في المواقف كشف عن صدوع عميقة داخل حلف شمال الأطلسي – الناتو -، وأثار تساؤلات حول قدرة التحالف على الصمود في وجه اختبار حقيقي لوحدته.
واشنطن لا تخفي استياءها من الموقف الأوروبي. ففي سلسلة تصريحات لافتة، وصف الرئيس ترامب الحلفاء الأوروبيين بأنهم “جبناء”، محذراً من أن مستقبل الحلف سيكون مهدداً إذا لم تتحرك الدول الأوروبية لتأمين مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية. وكتب ترامب على منصته “تروث سوشال” قائلاً: “من دون الولايات المتحدة، الناتو ليس سوى نمر من ورق. إنهم لم يرغبوا في الانضمام إلى المعركة لوقف إيران المسلحة نووياً. والآن بعد أن حُسمت المعركة عسكرياً وبأقل خطر عليهم، يتذمرون من ارتفاع أسعار النفط ولا يريدون المساعدة في فتح مضيق هرمز”.
وأتت هذه الانتقادات بعد أيام من إطلاق ما أسمته الولايات المتحدة بعملية “الغضب العظيم” مستهدفة قدرات إيران الاستراتيجية. ورغم النجاح الأولي المزعوم في تدمير الموارد العسكرية الأساسية للدولة الإيرانية، يرى مسؤولون أميركيون أن تأمين المضيق يتطلب جهداً بحرياً مشتركاً لا تستطيع الولايات المتحدة وحدها القيام به دون دعم الحلفاء.
وانعكس هذا التباين في الرؤية خلال حديث للأمين العام للحلف مارك روته في مقابلة له مع شبكة “سي بي إس” الأميركية والتي حاول فيها التوفيق بين ضرورة دعم الحليف الأميركي من جهة، وفهم موقف الدول الأوروبية المترددة من جهة أخرى. وقال روته: “ما أعرفه هو أننا نجتمع دائماً معاً”. وأضاف أن الدول الأوروبية احتاجت إلى بعض الوقت لتحديد موقفها، وهو ما أرجعه جزئياً إلى أنها استُبعدت من التخطيط الأولي للعملية العسكرية لأسباب تتعلق بالسرية والأمن.
وقال روته: “كانت الولايات المتحدة تخطط لعملية ‘الغضب العظيم’ لأسابيع، ولأسباب أمنية لم تتمكن من إطلاع الحلفاء الأوروبيين على ما يجري. إنني أفهم إحباط الرئيس ترامب، لكنني في المقابل أطلب تفهماً لأن هذه الدول احتاجت إلى وقت لتستعد لحالة لم تكن على علم بتفاصيلها”.
وفي تأكيد على دعمه للجهود الأميركية، قال روته إن الهدف من هذه العمليات هو “جعل العالم كله أكثر أمناً”، مشبهاً التحرك ضد إيران بما حدث مع كوريا الشمالية، محذراً من أن التفاوض الطويل مع طهران قد يؤدي إلى حصولها على السلاح النووي كما حدث مع بيونغ يانغ.
في المقابل، كانت المواقف الأوروبية أكثر حذراً. ففي برلين، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: “هذه ليست حربنا، نحن لم نبدأها”. وكرر المستشار فريدريش ميرتس الموقف ذاته، مشدداً على أن حلف الناتو تأسس كتحالف دفاعي، وأن التدخل في إيران لا يدخل ضمن ولايته. كما رفضت الحكومة الألمانية المشاركة في أي عملية عسكرية في المضيق، مكتفية بدعم دبلوماسي محدود.
أما في لندن، فكان موقف رئيس الوزراء كير ستارمر الأكثر انتقاداً من مختلف الجهات. فبينما أبدى استعداده لدراسة طلبات واشنطن، وسمح لاحقاً للجيش الأمريكي باستخدام قواعد سلاح الجو الملكي في بريطانيا وفي أعالي البحار لاستهداف مصادر التهديد للملاحة في الخليج، استمر في ترداد لازمة أن بريطانيا “لن تُجر إلى حرب أوسع”، مشترطاً أن يكون أي عمل عسكري تشارك فيه المملكة المتحدة مستنداً إلى أساس قانوني واضح. واستفز هذا الموقف الدوائر المحافظة في واشنطن، ووصف بعض رموزهم رد الفعل البريطاني بأنه “جبان وضعيف”، معتبرين أن ستارمر ليس “ونستون تشرشل” كما كان يأمل الأميركيون.
وفي باريس، اتخذ الرئيس إيمانويل ماكرون موقفاً أكثر حدة، حيث وصف الغارات الأميركية على إيران بأنها “خارجة عن القانون الدولي”، مؤكداً أن فرنسا ليست طرفاً في هذه الحرب ولن تشارك في العمليات البحرية في مضيق هرمز. كما رفضت إسبانيا بشكل قاطع السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية المشتركة لشن ضربات ضد إيران، واصفة الحرب بأنها “غير قانونية”.
ويرى مراقبون أن هذه الانقسامات تعكس خلافات أعمق بكثير من مجرد الاختلاف على تكتيكات عسكرية في مضيق هرمز. إذ أن الثقة الأوروبية بإدارة ترامب اهتزت في وقت مبكر من ولايته الثانية بعد استبعاده الحلفاء من المباحثات للتوصل حول تسوية للصراع في أوكرانيا، ثم فرضه تعرفات جمركية اعتباطيّة على الصادرات الأوروبيّة إلى الولايات المتحدة، قبل أن تُفقد تلك الثقة بشكل شبه كلي مع تهديداته للدنمارك بعزمه الاستيلاء على جزيرة غرينلاند. ويدرك ترامب جيداً أن الأوروبيين يخشون من انهيار الناتو الذي مثل مظلة حماية لأمنهم منذ عقود، وهو يستغل هذه الحساسية لاستخلاص أكبر قدر من المكاسب.
استمرار هذا الخلاف يحمل مخاطر حقيقية للأمن الأوروبي، ويعكس كذلك اختلافاً في الأولويات. فبينما تركز واشنطن مدفوعة من حليفها الإسرائيلي على المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، يرى الأوروبيون أن أولويتهم الأمنية الأولى تبقى أوكرانيا، خصوصاً مع استمرار المخاوف من استغلال روسيا لانشغال الغرب في الشرق الأوسط لتحقيق اختراق عسكري في الشرق الأوروبي، هذا ناهيك أن عن الحرب على إيران لا تحظى بشعبية كبيرة بين الرأي العام الأوروبي نظراً لانعكاساتها على التضخم وأسعار المعيشة.
على صعيد متصل، أضافت حادثة استهداف قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهندي مزيداً من التعقيد على التوقعات من الناتو. فبينما اتهمت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية إيران بإطلاق صاروخين باليستيين باتجاه القاعدة التي تضم قوات أميركية وبريطانية، قال الأمين العام روته إن الحلف “لا يستطيع تأكيد” هذه المعلومات في الوقت الحالي، وإن التحقيق ما زال جارياً.
وكان الوزير في الحكومة البريطانية، ستيف ريد، قد إدعى بأن تقييم لندن يشير إلى أن إيران استهدفت القاعدة، إلا أن روته فضل عدم التسرع في التصريحات، مكتفياً بالقول إن “ثبوت صحة ذلك سيكون دليلاً إضافياً على أهمية ما يقوم به الرئيس ترامب من تفكيك القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية”. وأثارت هذه الحادثة مخاوف أوروبية من اتساع رقعة الحرب، خصوصاً مع تلميحات إسرائيلية متعاقبة بأن صواريخ إيران باتت قادرة على الوصول إلى عواصم القارة القديمة.
ومع اقتراب موعد قمة الناتو المقررة في أنقرة تموز/يوليو المقبل، تزداد التساؤلات حول ما إذا كان التحالف قادراً على تجاوز هذه الأزمة المفصلية. ويتوقع مراقبون بأن القمة التي تستضيفها تركيا، العضو الذي يتمتع بعلاقات متوترة مع بعض الشركاء الأوروبيين حول العديد من القضايا لا سيما بشأن وحدة قبرص، قد تكون مسرحاً لمواجهات دبلوماسية حادة إذا استمرت الانقسامات الحالية.
وما من شك أن العودة إلى أرضية مشتركة بين الجانبين الأميركي والأوروبي ستكون صعبة في المدى المنظور مع غياب التوافق حول ما يمثله الناتو بالضبط في ظلّ تعمق انعزالية الولايات المتحدة. وهذا يفرض على الأوروبيين واقعاً جديداً، إذ يجدون أنفسهم أمام خيار صعب بين تحمل مسؤولية أمنهم بأنفسهم – وهو ما يحتاج لسنوات من الإنفاق العسكري الهائل -، أو القبول بدور ثانوي تابع ضمن تحالف تتباعد فيه الرؤى.
في غضون ذلك، تحاول بعض الدول الأوروبية إيجاد صيغ وسط، من خلال المشاركة في تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لا تخضع مباشرة لقيادة الناتو، أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية موازية. لكن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر إضعاف التحالف التقليدي، ودفع واشنطن إلى الاعتماد بشكل أكبر على شركاء دون آخرين في القارة.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-03-25