اسبانيا تتولى قيادة المعارضة الأوروبية لهمجية ترامب!
انقسام بريطاني حاد حول التورّط في العدوان على إيران
تشهد بريطانيا انقساماً حاداً إثر قرار كير ستارمر دعم الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. ويكشف التورط تراجع قدرات لندن العسكرية، مقابل صعود إسبانيا كقوة قيادية أوروبية تتحدى واشنطن وتتمسك بالقانون الدولي
سعيد محمد*
تعيش الأوساط السياسية والشعبية في المملكة المتحدة حالة من الاستقطاب الحاد إثر قرار رئيس الوزراء كير ستارمر بالسماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية دعماً للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران. وبينما تبرر الحكومة موقفها بالدفاع عن مصالحها الإقليمية، تواجه عاصفة من الانتقادات الداخلية التي تتراوح بين اتهامات بانتهاك القانون الدولي والتورط في حرب كارثية، وبين مطالبات يمينية بموقف أكثر صرامة ودعماً لواشنطن. ويتزامن هذا الانقسام مع انكشاف محدودية القدرات البحرية البريطانية في حماية قواعدها وحلفائها، في مقابل الدور القيادي الحازم الذي تلعبه إسبانيا في معارضة التصعيد وتحدي الإدارة الأمريكية.
وكان ستارمر قد اتخذ قراراً بفتح القواعد البريطانية، وتحديداً قاعدة “دييغو غارسيا” وقاعدة “أكروتيري” التابعة لسلاح الجو الملكي في قبرص، أمام القوات الأمريكية لتنفيذ عمليات تصنفها لندن على أنها “دفاعية بحتة”، قائلاً بأنه يسعى لتقديم “قيادة هادئة ومتزنة” للأزمة، مبرراً السماح باستخدام القواعد بأنه خطوة ضرورية لتدمير الصواريخ الإيرانية في مواقعها قبل إطلاقها، وذلك لحماية أكثر من ربع مليون مواطن بريطاني متواجدين في منطقة الخليج.
وفي محاولة للظهور في إطار جبهة أوروبية موحدة، نسق ستارمر موقفه مع حلفائه، حيث أصدر بياناً مشتركاً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتز، أكدوا فيه على اتخاذ خطوات ضرورية لحماية المصالح الأوروبية في المنطقة عبر تدمير قدرات إيران على إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ.
رغم هذه التبريرات، كشفت تقارير وتسريبات عن وجود انقسام داخل مجلس الأمن القومي البريطاني بشأن تورط لندن في العدوان بما في ذلك معارضة مبدئية من شخصيات بارزة في حكومة حزب العمل، من ضمنهم وزيرة الخزانة راشيل ريفز، ووزير الطاقة إد ميليباند، ووزيرة الخارجية إيفيت كوبر، وذلك قبل أن يتم التوصل لاحقاً إلى قرار “بالإجماع” عقب تفاقم التهديدات العسكرية والضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
أما في مجلس العموم (البرلمان)، فيقود زعيم حزب العمل السابق جيريمي كوربن جبهة رفض يسارية لموقف ستارمر، محذراً من أن ما يجري تكرار مباشر لكارثة غزو العراق عام 2003. وفي مقال له نُشرته مجلة “تريبيون”، اتهم رئيس الوزراء بالسير على خطى توني بلير عبر جر بريطانيا إلى “حرب غير قانونية وكارثية” لإرضاء رغبات الإدارة الأمريكية.
وأكد كوربن أن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي يفتقر إلى المبرر القانوني ويعتبر عملاً غير مبرر يهدف إلى تغيير الأنظمة والسيطرة على الموارد، وليس حماية حقوق الإنسان أو الدفاع عن النفس. وسخر وحلفاؤه، مثل النائب باري غاردينر، من مصطلح “الضربات الدفاعية”، مشيرين إلى أن أي ضربة استباقية هي هجوم صريح في القاموس العسكري.
إلى جانب كوربن، علت أصوات معارضة أخرى من بينهم إيميلي ثورنبيري (رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان) التي اعتبرت العدوان الأمريكي انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، وزاك بولانسكي (زعيم حزب الخضر) الذي وصف العدوان بأنه “غير مبرر وغير قانوني”، محذراً من تحول العالم إلى “شريعة الغاب” ونهاية النظام الدولي القائم على القواعد واحترام سيادة الدول.
على الجانب الآخر من الطيف السياسي، يواجه ستارمر هجوماً من المحافظين واليمين الشعبوي لعدم انخراطه بشكل كامل مع العمليات العسكرية الأمريكية. وانتقدت كيمي بادينوك (زعيمة حزب المحافظين المعارض – يمين) بشدة تأخر الاستجابة العسكرية البريطانية لحماية قاعدة قبرص، مشيرة إلى أن سفينة صاحبة الجلالة “دراغون” لا تزال راسية في بورتسموث بينما تتعرض القواعد البريطانية للنيران، فيما وصفت بريتي باتيل (ملف الخارجية في حكومة الظل) امتناع ستارمر عن تقديم دعم استباقي ومباشر للولايات المتحدة بأنه أمر “صادم”. كما طالب نايجل فاراج (زعيم حزب الإصلاح في المملكة المتحدة – أقصى اليمين) الحكومة صراحة بتغيير موقفها والانضمام عسكرياً وبشكل نشط إلى جانب واشنطن.
وتعكس الاستطلاعات حذراً في الشارع البريطاني حيال التدخل العسكري، بالإضافة إلى التحدي اللوجستي الضخم الذي تواجهه وزارة الخارجية لإجلاء مواطنيها من الدول التي تتعرض للقصف الإيراني. إذ يدعم 8 بالمائة فقط من البريطانيين – وفق استطلاع يوغوف – مشاركة هجومية نشطة في العدوان، و46 بالمائة عمليات دفاعية محض، فيما تعارض الأغلبية أي دور على الإطلاق.
ويقيم في منطقة الخليج ما يقدر ب 300 ألف بريطاني سجل أكثر من مائة ألف منهم للإجلاء من خلال عمليات الحكومة البريطانية. وهناك 300 جندي بريطاني متمركزون في مواقع تتعرض للقصف في البحرين.
وانتقدت الصحافة البريطانية بشدة القصور الهيكلي في قدرات البحرية الملكية البريطانية، مما أثار استياء الحلفاء وأبرز تراجع النفوذ العسكري للندن. فالمدمرة المضادة للصواريخ (دراغون) المزودة بنظام صواريخ سي فايبر المتطور لن تبحر نحو البحر الأبيض المتوسط قبل أسبوع، وستستغرق أسبوعاً إضافياً للوصول. ويعزو الخبراء العسكريون، ومنهم القائد السابق في البحرية توم شارب، هذا التأخير إلى حالة “التهالك” التي تعاني منها البحرية بعد 30 عاماً من خفض الاستثمارات ونقص المهندسين وقطع الغيار. في الوقت الحالي، ترسو جميع مدمرات البحرية الملكية الستة الرئيسية في الموانئ البريطانية لأغراض الصيانة.
هذا التراجع دفع الحكومة القبرصية للتعبير عن “خيبة أملها” من الاستجابة البريطانية. وصرح المفوض السامي القبرصي في المملكة المتحدة، كيرياكوس كوروس، بأن نيقوسيا اضطرت للاعتماد على الحلفاء الأوروبيين الآخرين؛ حيث أرسلت اليونان فرقاطتين وأربع طائرات، وتوجهت حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديغول” إلى المنطقة، وأعلنت إيطاليا إرسال وحدات بحرية لدعم قبرص، في حين اكتفت لندن بإرسال أربع طائرات تايفون إلى قطر ومروحيتي “وايلدكات”.
في المقابل، وفي تناقض واضح مع شحوب الدور البريطاني وانصياع حكومتها للمطالب الأمريكية، لمع نجم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كأقوى صوت أوروبي معارض لهمجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مقدماً نموذجاً مغايراً في السياسة الخارجية الأوروبية.
ورفضت إسبانيا بشكل قاطع ومطلق السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية المشتركة على أراضيها لتوجيه ضربات ضد إيران. وهاجم سانشيز علناً الضربات الإسرائيلية-الأمريكية، معتبراً إياها عملاً “أحادياً الجانب”، ومحذراً من أن “أولئك غير القادرين على تحسين حياة شعوبهم يستخدمون دخان الحرب لإخفاء فشلهم وملء جيوب الأقلية”.
هذا الموقف وضع إسبانيا في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأمريكي وقاعدته الانتخابية. وهدد ترامب إسبانيا بفرض حظر تجاري شامل، قائلاً: “لا نريد أي علاقة مع إسبانيا”. لكن وبالرغم من المخاطر الاقتصادية الجسيمة — حيث تعتمد إسبانيا على الولايات المتحدة في توفير 31% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال — تمسكت مدريد بموقفها المدعوم من الشارع الإسباني ومن دول أوروبية أخرى.
ويؤسس هذا الموقف الإسباني لمرحلة جديدة في موازين القوى السياسية داخل القارة الأوروبية، حيث تبرز مدريد كمركز ثقل قيادي صاعد يتحدى الهيمنة التقليدية بموازاة التراجع الواضح والتخبط الاستراتيجي للثلاثي المكون من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الغارقين بين التبعية المطلقة لواشنطن والقصور العسكري الهيكلي. وتستثمر حكومة سانشيز فقدان التوازن الاستراتيجي لقوى المركز لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وتبني نهجاً مستقلاً يرتكز على السيادة واحترام القانون الدولي، وتستقطب بفضله تأييداً شعبياً وسياسياً متنامياً داخل القارة العجوز. وقد يتيح هذا النهج الفرصة لرسم ملامح سياسة خارجية أكثر استقلالاً للاتحاد الأوروبي، ويفتح الباب واسعاً أمام تشكيل تحالفات تقدمية تتجاوز محور برلين-باريس- لندن التقليدي المتهالك، وتضع حداً للارتهان التاريخي للسياسات الأمريكية المتهورة.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-03-07