تونس : هل لا يزل خطر الفكر التكفيري لحركة النهضة داهما ؟
بقلم أحمد الحباسى*
هناك من يعتقد خطأ أنه بإيداع أبرز قيادات حركة النهضة السجن فإنه تم القضاء على وجود الحركة هيكليا و تنظيميا و بات خطرها مجرد أطلال لكن الحقيقة غير ذلك تماما و من رأى نمطها يتكرر أمامه في مصر التي تعتبر منبع فكر هؤلاء المتسترين بعباءة الدين لأغراض شيطانية دموية مهما تغيّرت الأسماء و الوجوه رغم مما لحقهم من إيقافات و إعدامات منذ نشأة هذا التنظيم السرطاني على يد مرشدهم الشيخ حسن البنّا يدرك أن هناك قيادات تتقدم ثم تغيب بفعل الأحداث و رؤوس تستبدل بأخرى لكن الكيان نفسه يبقى و يتمدد أفقيا و ربما يختفي تماما تحت الأرض . الحديث عن حركة الإخوان في تونس لا يمكن أن يشبه الحديث عن تنظيم سياسي تقليدي يمكن إخضاعه لقواعد الصعود و السقوط المرتبطة بالأشخاص أو بنتائج الانتخابات أو بالعزوف الجماهيري بل نحن نتحدث عن كيان دموي تكفيري يتستر بأخطر ستار و هو الدين و هو كيان له طبيعته الخاصة تمّ كشف هذه الطبيعة الإجرامية عبر أكثر من نصف قرن منذ تاريخ نشأته و ربما تبدلت قياداته و تغيرت واجهاته و خضع لمفعول الزمن صعودا و انحدارا لكنه احتفظ دائما على قدرته على الاستمرار و من هنا فإن محاولة فهمه بالمنطق الذي تفهم به الأحزاب و التنظيمات التقليدية تقود إلى نتائج خاطئة لان القياس هنا مختلّ من أساسه و لا وجه للمقارنة إطلاقا .
مرّت حركة الإخوان في تونس عبر تاريخها بعدة تقلبات مثيرة و في كل مرة برزت أسماء بدت و كأنها تمثل مركز الثقل مثل عبد الفتاح مورو و الصادق شورو و الفرجانى الدغمان و الحبيب اللوز ثم ما لبثت أن تراجعت أو غابت أو تمّ تغييبها دون أن يتغيّر المسار العام . لم يكن ذلك استثناء بل كان نمطا متكررا يؤكد أن الذي يتحرك هم الأشخاص بينما يبقى الكيان ثابتا في مكانه و أن هناك قدرة على إنتاج قيادات بديلة و بالتالي فان سجن قيادة الحركة حاليا يفرض طرح السؤال حول أسماء القيادات البديلة التي حلّت مكانها و التي ربما لا تظهر في المشهد العام لكن الجميع يعتبرها أكثر توافقا و ملائمة لطبيعة المرحلة بمعنى أن المسار لن يتغير تبعا للأشخاص بل تغيّر الأشخاص داخل جسد الكيان تبعا للمسار . نحن لا نتعامل مع رأس تقود جسدا بل مع جسد قادر على أن ينبت رأسا جديدة كلما سقطت رأس لذلك يتساءل المتابعون من هي الرؤوس الجديدة التي تقود الكيان هذه الأيام و ما هي مخططاتها بل هل أن هناك خطر داهم أو بمعنى أصح هل هناك نار تحت الرماد و هل أن هذا الهدوء المبالغ فيه يخفى عاصفة إرهابية ستخرج من كهوف الجبال و من أزقة الأحياء الشعبية الفقيرة ؟.
من الواضح أن فكر قيادات حركة النهضة و مخططاتهم و مؤامرتهم مستمرة رغم كل ما حدث و من الواضح أن الأحكام القضائية الصادرة ضد قيادات الإخوان مؤخرا قد جعلت بعض الأطراف في ذات الحركة تتجه نحو التخفي و الهدوء خوفا من مزيد الملاحقات القضائية كما أنه من الواضح أنه نتيجة لبعض العوامل الإقليمية و العالمية فان حنفية الأموال الخليجية المتأتية بالأساس من قطر قد توقفت بعض الشيء مؤقتا خاصة أن الولايات المتحدة تحت القيادة الجديدة للرئيس دونالد ترامب لم تعد تهتم بتسخير ” الجماعة ” لمواصلة تنفيذ مخططاتها الدموية بعد أن سقط نظام الرئيس بشار الأسد . إن سقوط حركة النهضة من الحكم و هي التي حلمت و ظنت أن حلمها بإنشاء دولة الخلافة قد حان و أن حكمها سيستمر إلى عشرات السنين قد أكسبها حقدا غير مسبوق و جعل بعض من تبقى من قياداتها خارج السجون و من صعد منها لملئ الفراغ يشعر بعقدة الانتقام . ربما كسّر سجن القيادة هذه الأيام و أحدث حالة من الشرخ المعنوي بينهم و هي حالة بدت ملامحها قبل فترة قليلة من عزل مرشد الإخوان راشد الغنوشى من سدة رئاسة مجلس النواب و بات الانتقام الذي بداخل صدورهم موجها ليس للمجتمع فحسب بل للوطن و لقيادته الحاكمة .
فى دهاليز حركة النهضة لا شك أن هناك أسماء تعمل في صمت كامل بعيدا عن صخب الإعلام، هذه الأسماء التي لا شك أن وزارة الداخلية تتابع تحركات البعض منها نساء و رجالا هي أحد المحركين الأساسيين للكوادر الشبابية المستقطبة أو النافرة من سلوك القيادة القديمة و هي من تتولى صياغة عقول هؤلاء الشباب و تسميم عقولها و هي تشكل في الحقيقة حلقة وصل أساسية بين بعض قيادات الحركة التي لا تزال خارج السجون و بعض الخلايا الإرهابية النائمة في بعض الجهات خاصة بعد تمكن قوى الأمن من قتل و إلقاء القبض على العديد من الكوادر المجندة للقيام بالعمليات الإرهابية. من يعرف أديات حركة النهضة و ما جاء في كتب ” الجماعة ” يدرك أن القيادات الجديدة تحاول بكل الطرق استقطاب الشباب و ” صنع الكوادر ” لإقناعهم بأن الحركة لم تنته و أن الصدام القادم مع النظام فرض عين و واجب ديني مقدس و عليه فالمنطق يقول أن خطر الفكر التكفيري الدموي المتطرف لا يزال يختبئ وراء شبكة خفية تتغير وجوهها لكن فكرة ضرب استقرار الوطن لا تزال قائمة . إن الشر التكفيري قد لا يكون في الأذرع التي تتحرك أمامنا بل في العقل الذي يدير و في الرأس التي لا تزال تفكر في الانتقام حتى لو ظهر للجميع أن الجسد قد سقط .
كاتب و ناشط سياسي .
2026-03-07