هل صُمِّمت الانتخابات أم صُمِّم وعيُ الناخب؟
قراءة في هندسة العملية الانتخابية في العراق
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في كل دورة انتخابية عراقية يتكرّر السؤال ذاته:
هل نحن أمام انتخابات حقيقية تعبّر عن إرادة الناس، أم أمام عملية مُهندَسة لفوز كتل وأشخاص بعينهم؟
السؤال في ظاهره بسيط، لكنه في جوهره مركّب. فالديمقراطية لا تُختزل في صندوق اقتراع، ولا تُختصر في يوم تصويت. إنّها منظومة قواعد، وبيئة تنافس، وموازين قوى، وبنية دولة. ومن هنا ينبغي التفريق بين تزوير النتائج وهندسة القواعد.
أولًا: الإطار النظري – ما معنى “الهندسة الانتخابية”؟
في الأدبيات السياسية المقارنة، يُستخدم مفهوم Electoral Engineering للدلالة على تصميم النظام الانتخابي بطريقة تؤثر في النتائج مسبقًا دون اللجوء إلى التزوير المباشر. والهندسة هنا لا تعني دائمًا مخالفة القانون، بل تعني صياغة القانون بما يخدم موازين القوى القائمة.
تظهر هذه الهندسة في:
1. طريقة احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد (مثل اعتماد صيغ معدّلة لسانت ليغو).
2. تقسيم الدوائر الانتخابية بما يمنح الأفضلية للقوى المتماسكة جغرافيًا.
3. عتبة الدخول البرلماني التي تقصي القوى الصغيرة.
4. تنظيم التمويل الانتخابي أو تركه بلا رقابة فعالة.
5. ضبط الإعلام والفضاء العام بصورة غير متكافئة.
وهنا يصبح السؤال: هل ينطبق هذا على التجربة العراقية؟
ثانيًا: قانون الانتخابات العراقي وآلية سانت ليغو المعدّلة
اعتمد العراق في دورات متعاقبة صيغة معدّلة من طريقة سانت ليغو، وهي آلية رياضية لتوزيع المقاعد برلمانيًا.
ماذا تفعل الصيغة المعدّلة؟
عندما يُرفع المقسوم الأول (مثلاً من 1 إلى 1.7 أو أكثر في بعض الدورات)، فإن ذلك يُضعف حظوظ القوائم الصغيرة ويُعزز فرص الكتل الأكبر والأكثر تنظيمًا.
اقتصاديًا، يمكن تشبيه الأمر بـ:
رفع كلفة الدخول إلى السوق بما يحمي الشركات الكبرى من المنافسين الجدد.
وهنا لا يوجد “تزوير”، بل يوجد تصميم قانوني يمنح ميزة تنافسية مضمونة للفاعلين الأقوياء.
ثالثًا: المال السياسي والزبائنية – حين تتحول الدولة إلى ماكينة انتخابية
في الأنظمة الانتقالية، يتداخل الحزب مع الدولة، والوظيفة مع الولاء، والخدمة مع الصوت الانتخابي.
في العراق، حيث تعتمد شريحة واسعة من المواطنين على التوظيف الحكومي أو شبكات الرعاية، يصبح التصويت أحيانًا امتدادًا لعلاقة مصلحية.
لا يُزوَّر الصندوق، لكن يُعاد تشكيل الإرادة.
والنتيجة أن:
• الكتل التي تمتلك موارد مالية ضخمة تستطيع تغطية البلاد دعائيًا.
• المرشح المستقل يواجه كلفة باهظة في الوصول إلى الناخب.
• الأصوات تُشترى أحيانًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهذه ليست ظاهرة عراقية خالصة، لكنها في بيئة ريعية مثل العراق تكون أكثر تأثيرًا.
رابعًا: البيئة الأمنية والسلاح خارج الدولة
لا يمكن الحديث عن تنافس انتخابي متكافئ في ظل وجود قوى مسلحة موازية.
حتى لو لم تُستخدم القوة فعليًا يوم الاقتراع، فإن وجودها بحد ذاته يُنتج “سقفًا نفسيًا” للمنافسة.
الديمقراطية لا تزدهر في ظل اختلال ميزان القوة المادية.
خامسًا: الإعلام غير المتكافئ وصناعة الرأي
في الاقتصاد السياسي للإعلام، من يملك المنصة يملك القدرة على تشكيل الوعي.
عندما تمتلك قوى سياسية فضائيات، ومنصات رقمية، ومصادر تمويل مستمرة، فإن المنافسة تصبح شكلية.
هنا تُصمَّم البيئة لا النتائج.
سادسًا: هل هذا يعني أن الانتخابات “مفصّلة على المقاس”؟
الجواب العلمي المتوازن هو:
• لا توجد أدلة قاطعة على تزوير شامل منظّم يقلب النتائج رأسًا على عقب.
• لكن توجد مؤشرات قوية على أن النظام الانتخابي والبيئة السياسية يمنحان أفضلية بنيوية للقوى المهيمنة.
بعبارة أدق:
ليست هناك “مسرحية مغلقة”،
لكن المسرح مُضاء من جهة واحدة.
سابعًا: لماذا تستمر النخب نفسها؟
من منظور نظرية النخب (Elite Circulation Theory)، فإن الأنظمة الانتقالية غالبًا ما تشهد “إعادة تدوير للنخب” بدلًا من استبدالها.
في العراق:
• الانقسام المجتمعي الطائفي والقومي يُعيد إنتاج الاصطفاف.
• التخويف من البديل يعزز التمسك بالمألوف.
• ضعف التنظيم المدني يحول دون نشوء بدائل قوية.
وبذلك تتحقق معادلة:
شرعية شكلية + اختلال تنافسي = ديمقراطية ناقصة.
⸻
ثامنًا: الخلاصة
هل الانتخابات العراقية مصمَّمة لفوز كتل معيّنة؟
إذا كان المقصود تزويرًا مباشرًا للنتائج، فالأدلة العلنية لا تثبت ذلك بصورة حاسمة.
أما إذا كان المقصود أن القواعد والبيئة تمنح أفضلية مضمونة للنخب القائمة، فالإجابة تميل إلى نعم، جزئيًا وبنيويًا.
إنها ليست ديمقراطية زائفة بالكامل،
وليست ديمقراطية ناضجة بالكامل.
إنها حالة انتقالية تتعايش فيها شرعية الإجراء مع اختلال العدالة.
خاتمة فكرية
إن الإصلاح لا يبدأ باتهام الصندوق، بل بإعادة النظر في:
• قانون الانتخابات وصيغته الحسابية.
• تمويل الحملات وضبط المال السياسي.
• استقلال الإعلام.
• حصر السلاح بيد الدولة.
• بناء أحزاب برامجية لا هوياتية.
الديمقراطية ليست يوم اقتراع،
بل بنية دولة.
وما لم تُصحَّح البنية، سيبقى الجدل يتكرر بعد كل انتخابات:
هل صُمِّمت النتائج، أم صُمِّم وعيُ الناخب؟
2026-02-24
تعليق واحد
الجميع يقرر بمستقبل العراق باستثناء العراقيين انفسهم للاسف
لان العراق قابع تحت الاحتلال ومنقوص او لايملك سيادة لا على ارضه ولا مياهه ولا قراره المستقل ايضا للاسف