بين بهجة الميلاد وظلّ الدم
كيف نُصالح الفرح مع ذاكرة شباط؟
بقلم البروفيسور وليد الحيالي
هناك تواريخ لا تمرّ على الإنسان مرور الأرقام في التقويم، بل تمرّ عليه كاختبار أخلاقي للذاكرة والضمير. تواريخ تتكاثف فيها المعاني حتى تختنق اللغة، ويغدو القلب ساحةً يتقابل فيها النقيضان: الفرح الصافي، والحزن الذي لا يشيخ.
في تاريخٍ واحد من كل عام، يطرق باب روحي ثلاثة ضيوف متناقضين.
أوّلهم الفرح، مكلّلًا بابتسامة ابنتي البكر، وهي تُكمل دورة أخرى في زمنها الجميل.
وثانيهم الفرح مضاعفًا، حين تضيء حفيدتي الصغيرة لِندا، ابنة زينة، هذا اليوم ببراءتها، كأنها تقول لي: الحياة لا تزال قادرة على التجدد، مهما أثقلتها الندوب.
وثالثهم عيد الحب، ذلك المعنى الإنساني الكبير الذي يفترض أن يكون نقيضًا للكراهية، ورديفًا للرحمة، واحتفالًا بانتصار الإنسان على وحشيته.
لكن، ما إن يكتمل هذا المشهد المشرق، حتى ينهض من عمق الذاكرة ظلٌّ ثقيل، لا يُجيد الصمت:
ذكرى انقلاب شباط الأسود عام 1963.
ذلك اليوم الذي لم يكن حدثًا سياسيًا عابرًا، بل كان مجزرةً منظمة للمعنى، وذبحًا جماعيًا للحلم العراقي بالتقدم والعدالة. يوم أُطلقت فيه أبشع البيانات، بيان “إبادة الشيوعيين”، لا باعتباره وثيقة عسكرية فقط، بل بوصفه إعلانًا رسميًا لإباحة الدم، وتحويل الاختلاف الفكري إلى جريمة وجود.
وما يزيد الجرح عمقًا، أن تلك الإبادة لم تُغطَّ فقط بالسلاح، بل غُلّفت بفتوى.
فتوى أُريد لها أن تكون دينية، وهي في جوهرها سياسية، حين وُصفت الشيوعية بالكفر، وقُدِّم هذا الوصف غطاءً أخلاقيًا لانقلابٍ دموي.
والمفارقة المؤلمة، التي يسجلها التاريخ بإنصاف، أن الغالبية الساحقة من علماء الدين، شيعةً وسنّة، رفضوا هذه الفتوى، ورفضوا أن يُزجّ بالدين في محرقة السياسة، وأن يتحوّل الإيمان إلى رخصة قتل.
هنا يقف السؤال عاريًا:
كيف لي أن أفرح، وهذا التاريخ نفسه مُثقَل بكل هذا الدم؟
وكيف لي أن أحزن، وأنا أرى في اليوم ذاته وجوهًا وُلدت لتؤكد أن الموت ليس هو الكلمة الأخيرة؟
ربما لا تكون الموازنة حلًا، لأن الفرح لا يُقايَض بالحزن، ولا تُختصر المأساة بالابتسامة.
لكن الإنسان، حين يرفض النسيان، وحين لا يسمح للحقد أن يصادر حقه في الحب، يكون قد اختار موقفًا أخلاقيًا أعلى.
أنا لا أحتفل نسيانًا لشباط، بل أحتفل نكايةً به.
أحتفل لأن الذين أرادوا للعراق أن يكون مقبرة للأحلام، فشلوا.
فها هي ابنتي، وها هي حفيدتي، وها هو الحب، يولدون في اليوم نفسه، كأن الزمن تعمّد أن يقدّم شهادته المضادة على بيان الإبادة.
الفرح هنا ليس خيانة للضحايا،
بل وفاء لهم.
لأنهم قُتلوا وهم يحلمون بوطنٍ أكثر عدلًا، لا بوطنٍ أكثر حزنًا.
أما شباط، فسيبقى في الذاكرة، لا بوصفه قدرًا، بل درسًا.
درسًا يقول لنا إن الدم حين يُشرعن، يتحوّل الوطن إلى مقصلة،
وأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على أن تُفلت من بين أصابع القتلة.
في هذا التاريخ، لا أختار بين الفرح والحزن.
أنا أحملهما معًا.
أحمل الفرح كي لا أنتصر للموت،
وأحمل الحزن كي لا أخون الحقيقة.
وهكذا فقط، أستطيع أن أواصل السير…
إنسانًا، لا شاهد قبر.
2026-02-11