العراق “عقب آخيل” إيران
د. عمر ظاهر
لا حاجة بنا إلى التوقف طويلا عند مسألة المصالحة التركية – السورية فرغم المخاض المؤلم والولادة العسيرة بدأنا نسمع صرخات الوليد. المصالحة باتت وشيكة.
في الحروب لا تنتصر إلا المصالح، وكل ما دون المصالح خاسر، الإنسان، والإنسانية، والأخلاق، والحق – والجيرة، والصداقة، والطفولة، مع الأسف. وعندما تأتي مثل هذه المصالحات التاريخية فإننا نفرح لسبب واحد هو أن خسارتنا تتوقف هنا، فلا نخسر أرواحا أكثر، ولا نعاني من أحزان أكثر، ولا يتوسع الخراب والدمار أكثر.
ربما يتفق معظم الناس في أن الوقت ليس وقت الحديث عن هزيمة وانتصار.
بكل تأكيد يعتبر خروج الدولة السورية من هذه الحرب سالمة غانمة مسألة تاريخية سيكون لها أثر عميق في تطور المنطقة برمتها. وتأتي الآن مهمة جمع شمل السوريين في وطنهم، الأمر الذي لا معنى للحديث عن انتصار بدونه.
ولكن لا بد من بضع كلمات قد تأخذ نشوة النصر من الرؤوس التي قد تسكر به، فنحن نعرف أن كل ما يقدم السياسيون الأقوياء عليه يتلخص في شيء واحد: المصلحة.
المصلحة تقتضي الحرب هنا، ثم تقتضي المصلحة أن يعود السلام هنا، ربما ليس حبا بالسلام، بل لأن المصلحة تقتضي نقل مسرح الحرب والدمار، والقتل، والخراب إلى مكان آخر.
ثلاثة عوامل فرضت التصالح التركي السوري.
العامل الأول هو أن ما حصل في سورية نتيجة الحرب العدوانية الكونية عليها لم تؤد إلى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، كما كان بعض الناس يأملون، رغم الدمار الهائل الذي لحق بالبلد وشعبه.
وغير هذا فإن تركيا وصلت في هذه الحرب إلى نتيجة مذهلة في سلبيتها. إنها الدولة الوحيدة التي تشارك سورية الخسارة.
فلا أمريكا، ولا فرنسا، ولا السعودية، ولا قطر، ولا غيرها تخرج من سورية وهي تواجه أخطارا ستراتيجية.
الحرب على سورية خلقت على الحدود الجنوبية لتركيا أخطارا ما كان لها أن تنشأ في ظل وجود الدولة السورية القوية.
ثم، وكما كان متوقعا، فإن انتقال الإرهاب من سورية إلى تركيا أصبح هو الآخر يشكل خطرا جسيما على مصالح الشعب التركي في مجال الأمن والاقتصاد.
إن الحرب على سورية تطورت في الحقيقة إلى بوادر حرب إرهابية واسعة على تركيا التي تتعرض أصلا إلى إرهاب الجماعات الانفصالية.
ليس هناك من سياسي رصين يواجه هذه الحقائق ويظل سادرا في سياسة ثبت فشلها.
السياسيون الأتراك يذهبون إلى المصالحة في سورية ليدفعوا عن بلدهم المخاطر التي جلبها الإرهاب الأمريكي الإسرائيلي إلى سورية.
العامل الثاني هو تغير أولويات السياسة التركية، فتركيا خاضت على مدى السنوات الست الماضية، بالتزامن مع تدخلها في سورية، تجارب سياسية هامة، وصار لزاما عليها الآن أن تدرس هذه التجارب لتستقي منها العبر.
تركيا عضو فعال في حلف شمالي الأطلسي، ولكن بات واضحا تماما أن الحلف الأطلسي لا يريد تركيا دولة أقوى مما يزيد عن حاجة الحلف، والحلف لا يريد لتركيا أن تكون قادرة على التصرف بحرية واستقلالية. و لا يمكن إغفال أن تركيا تتعرض إلى ضغوط قوية من قبل بلدان الاتحاد الأوروبي تركز كلها على شخص الرئيس التركي.
لا ينبغي لأحد أن ينخدع بدعاوى حقوق الإنسان والحريات التي تأتي من بلدان حلف الأطلسي وفي مقدمتها أمريكا، فنحن نعرف أن هذه البلدان كلها تعتبر السعودية حليفتها الأولى على الرغم من السجل الأسود للسعودية في مجال حقوق الإنسان، والحريات. حتى التقرير المتعلق بدور السعودية في هجمات سبتمبر 2001 يخرجونه بشكل يبرئ ساحة السعودية.
وفي الغرب لا نسمع أحدا يكتب أغنية ساخرة عن ملك السعودية، أو يرسم كاريكاتيرا للسخرية من صعلوك قطر. النقد والسخرية والهجمات الشخصية تتركز على أردوغان وحده. وهذا يجب أن لا يكون موضع فخر لمن لا يضمر أو يعلن ودا للرئيس التركي.
التهجم على أردوغان يذكرنا بما قام به الأمريكان، وكل بلدان حلف الأطلسي، تجاه صدام حسين حين رأوا أنه شب عن الطوق، ولم يعد يفعل ما يريدونه منه. إن ما يضايقهم في أردوغان ليس قمعه للحريات وغير تلك الحجج، بل لأن تركيا تريد ممارسة دور مستقل، وإنهاء عهد التبعية للغرب. الهدف المعلن هو أردوغان، لكن المستهدف هو مستقبل تركيا.
ولعل تلميح تركيا بإمكانية السماح للروس باستخدام قاعدة انجرليك العسكرية يكشف النزعة التركية إلى التصرف باستقلالية لا تناسب السياسة الأطلسية التي يراد لتركيا أن تبقى في إطارها.
ولهذا فإن تركيا تراجع كل سياساتها، وتعمل على إقامة توازنات صعبة لتحصل على المكانة التي تريدها. وهذه التوازنات تبدأ في سورية التي باتت مصدر خطر على تركيا، والتي تشكل في الوقت نفس الهم الأكبر للروس الشركاء الجدد لتركيا في نزعة الاستقلالية.
أما العامل الثالث فهو تغير أولويات السياسة الأمريكية، وظهور بوادر على أن الأمريكيين باتوا مقتنعين بأنهم لن يحققوا في سورية أكثر مما حققوه حتى الآن، فالنظام لن يسقط، ولكن ما لحق بالبلد من خسائر ودمار، وما نشأت فيه من مشاكل ستجعل سورية لسنوات طويلة تنشغل بمعالجة جراحها، وترتيب بيتها الداخلي. أي إنها لن تشكل خطرا جديا على إسرائيل.
على العكس، فإن الأمريكان يأملون في أن تمارس روسيا في المستقبل تأثيرا على سورية باتجاه الدخول في عملية سلام مع إسرائيل، لن تكون حتما مذلة مثل كامب ديفيد، لكنها ستتيح لإسرائيل فرصة لتنفس الصعداء على الجبهة السورية.
على ما يبدو فإن الجهود الأمريكية تتحول الآن إلى التفرغ للتعامل مع إيران باعتبارها بؤرة خطر جدي على إسرئيل، ومنعها من الخروج عن الطوق الذي أمنه الاتفاق النووي قبل بضعة شهور. ولهذا فإن أمريكا نفسها ترتب لترك الساحة السورية باتفاقات مع الروس تضمن لها بعض المصالح.
فلماذا عسى أن تبقى تركيا تدور في الدوامة السورية؟ تركيا عندها، غذن، أكثر من دافع للمصالحة مع سورية.
أما التحول في الأولويات الأمريكية فإنه ينسجم تماما مع رغبة التحالف السعودي الإسرائيلي الذي يجد أن إيران هي الخطر. والسعودية ومن يدورون في فلكها يبدون أيضا مستعدين لترك الساحة السورية لمشاركة واشنطن جهودها العدوانية على ساحة أخرى في المواجهة مع إيران، ألا وهي الساحة العراقية، الذي ستكتسب قريبا أهمية أكثر أهمية من الساحة السورية.
لقد توهم الكثيرون بأن مشكلة الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران قد انتهت بالاتفاق النووي، وأن إيران ستنعم بعد الآن بالسلام، وبات بإمكانها أن تنطلق في بناء قوتها، وتتحول إلى قوة إقليمية كبرى لها الكلمة الفصل في شؤون المنطقة. غير أن نظرة بسيطة على ما أعقب تلك الاتفاقية ورفع المقاطعة الاقتصادية عن إيران تكشف أن الولايات المتحدة لم تغير حربها على إيران نحو السلام، بل غيرت فقط ستراتيجية الحرب.
بعد رفع المقاطعة مباشرة صدرت جملة من الإجراءات التي من شأنها إبقاء المقاطعة سارية المفعول إلى حد بعيد، إنما بوسائل أخرى. مثلا، حرمان الشركات التي تتعامل مع إيران من التعامل مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني أن قسما كبيرا من الشركات العالمية التي كانت تتهيأ للتعامل الاقتصادي مع إيران وجدت نفسها بين خيارين: إما التعامل مع أمريكا أو التعامل مع إيران.
ثم جاء تعزيز ما سمي بالتحالف الإسلامي بقيادة السعودية، وما حصل في المؤتمر الإسلامي في اسطنبول حيث أدانت الدول الإسلامية بالإجماع تقريبا إيران على دورها في المنطقة، وكذلك إخراج التحالف السعودي الإسرائيلي إلى العلن. كل هذه تشير إلى تصعيد اقتصادي، وسياسي وعسكري ضد إيران ضمن الستراتيجية الأمريكية الجديدة.
يبدو واضحا أن الأمريكيين تعلموا شيئا من السياسة الإيرانية التي تقوم على النفس الطويل في المواجهة، وقرروا أن يواجهوا إيران بنفس سياسة النفس الطويل، وليس التصدي المباشر والطائش كما فعلوا مع العراق. وهم يدركون أن إيران ليست لقمة سائغة مثلما كان العراق الذي خانه العرب بقيادة السعودية، ومولوا الحرب عليه، وكان وحيدا بلا أي حليف دولي.
الهدف النهائي لهذه السياسة هو إيصال إيران إلى نفس مصير العراق، التشرذم والخراب، إنما عبر سياسة النفس الطويل التي تعفي أيضا الولايات المتحدة وإسرائيل من المواجهة العسكرية المباشرة معها.
سياسة النفس الطويل التي تتضح معالمها تدريجيا تقوم على ثلاثة محاور:
المحور الأول، عزل إيران في العالم الإسلامي، واستفزازها، ودفعها إلى مواقف عدائية ضد أكبر عدد ممكن من الدول الإسلامية، وذلك لتبرير قيام هذه الدول بالمشاركة في أي جهد دولي ضدها. ولعل الضغط باتجاه خلق حالة من التوتر مع جارة إيران، تركيا، سيكون أخطر أوجه هذا المحور.
المحور الثاني، والذي تجلى في مؤتمر المعارضة الإيرانية مؤخرا في باريس، هو زعزعة الوضع الداخلي في إيران على مستويات عديدة، فالمؤتمر نفسه يراد له إبراز وجود معارضة شعبية للنظام، أي معارضة ليست ذات صفة قومية، أو طائفية.
وبالتزامن مع هذا التحرك يجري في الإعلام إبراز متزايد لنشاطات عسكرية للانفصاليين الأكراد في كردستان إيران.
وكذلك يبدأ النفخ ببوق الاضطهاد القومي للعرب والبلوش، وغيرهم من القوميات في إيران، إضافة إلى إظهار إحصائيات بأعداد المعدومين والمسجونين من الطائفة السنية في إيران.
هناك باختصار خطط لزعزعة الاستقرار الداخلي في إيران الذي لم يتأثر حتى الآن بما يدور من عنف وإرهاب في كل المناطق المحيطة بالبلد.
ولا شك أبدا في أن مخابرات دولية عديدة ستعمل على الإسهام في هذه الزعزعة عن طريق تنفيذ اغتيالات، مثلا، ناهيك عن إيصال يد داعش إلى بعض مناطق إيران.
المحور الثالث والأخطر يركز الجهود على ما يمكن تسميته بـ “عقب آخيل” في الوضع الإيراني، ذلك هو العراق.
ترك الساحة السورية هو مقدمة لانغماس أكبر في العراق الذي يعد أخطر جبهات وساحات الحرب على إيران لكون العراق أقرب جغرافيا إلى إيران، ولكونه الساحة التي يوجد فيها احتكاك أو تماس، بل احتدام بين إيران والعدو المتربص بها من حولها.
أما جغرافيا فإن السعودية، التي تتحول تدريجيا إلى كيان عسكري تقود الحرب على إيران، لها حدود مشتركة مع العراق الأمر الذي يتيح لها حرية التحرك العسكري، مثل إدخال الإرهابيين أو حتى قطعات عسكرية عند الحاجة، وذلك على عكس الساحة السورية البعيدة جغرافيا أصلا والتي يتطلب الدخول السعودي إليها موافقة دول أخرى متاخمة لسورية، الأردن أو تركيا، اللتين لهما دائما حسابات واعتبارات لا تنسجم دائما مع الرغبة الشريرة للسعودية.
بالتأكيد، إنه من المستبعد أن تفكر السعودية بمواجهة عسكرية مباشرة مع إيران وذلك لأن السعوديين يدركون أن أية مواجهة مع إيران لن تكون شبيهة للمواجهة في اليمن في محدودية تأثيرها، رغم كل الدعم الأمريكي والإسرائيلي الذي يمكن للسعودية إدخاله في حساباتها.
إن مفتاح الساحة العراقية ليس التدخل العسكري المباشر، بل الوضع الداخلي للعراق.
هذا الوضع يتميز بجملة من السمات التي ليست لصالح إيران، منها:
أولا) وجود حضور إيراني مكثف في العراق، وهو أمر غير مرغوب فيه من قبل أغلبية العراقيين.
ثانيا) وجود صراع جوهري على الساحة العراقية بين المصالح الإيرانية من جهة والمصالح الأمريكية الإسرائيلية من جهة أخرى. وهنا فإن أمريكا لن يهدأ لها بال قبل أن تنهي الحضور الإيراني في العراق. التوازن بين الوجود الأمريكي والوجود الإيراني توازن قلق، وتسعى أمريكا إلى قلبه لصالحها نهائيا.
ثالثا) إن النظام الذي أقامه الاحتلال الأمريكي في العراق نظام ثبت فشله الذريع بشكل لا يقبل الجدل، فهذا النظام الذي جاء في أعقاب العزم الأمريكي على إعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة، حقق الرغبة الأمريكية الإسرائيلية هذه بكل جدارة. العراق يعيش اليوم في عصر ما قبل الصناعة!
وهذا النظام لم يستطع نقل العراق خطوة واحدة إلى الأمام وإخراجه من مشاكله الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية والإدارية. وأصبح العراق في ظله في عداد الدول الفاشلة والأكثر فسادا في العالم.
رابعا) إن فشل النظام في العراق هو فشل بنيوي، أي إنه ملازم للنظام لأنه داخل في أساسه وتكوينه، وسيبقى طالما وجد هذا النظام، لماذا؟
لأسباب عديدة، منها أن الهدف من الاحتلال كان أصلا تحويل العراق إلى دولة فاشلة، وإلى بؤرة للفوضى؛ ومنها أيضا أن العقلية التي تتحكم بساسة العراق بعد الاحتلال تفتقر إلى الأفق السياسي الجاد. هذه العقلية لا تعير أية أهمية للتطوير وتحسين مستوى معيشة الشعب، فمستشفيات بغداد نفسها تفتقر إلى أبسط الأدوية، والمدارس العراقية لا تتوفر فيها مقاعد ليجلس عليها الأطفال، فهم يفترشون الأرض، على سبيل المثال لا الحصر.
هذه العقلية أعظم مشاريعها وإنجازاتها هي إجراءات قرووسطية، مثلا جعل سن الزواج للإناث تسع سنوات.
وأخيرا، وليس آخرا لأن السياسة الأمريكية القائمة على مبدأ “فرق تسد” خلقت منظمات إرهابية طائفية مثل داعش التي تضيف إلى الفساد والتخلف مصيبة الإرهاب في شوارع المدن العراقية، فيبقى النظام فاشلا سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا.
لقد جعل الاحتلال الصراع الطائفي في العراق ممكنا، فتم تقسيم العراق رسميا إلى طائفة شيعية تمثلها أحزاب معينة، وطائفة سنية تمثلها بدورها أحزاب لها، وأقيم نظام محاصصة طائفية لا يحمل أي أفق لمصالحة وطنية للبدء بإعادة بناء العراق.
لا شك في أن كل الأطراف السياسية الطائفية العراقية تتقاسم مع الاحتلال مسؤولية الكارثة التي حلت بالعراق باحتلاله وتدمير جيشه، وبناه التحاية، ونسيجه الاجتماعي، بما في ذلك التقسيم الطائفي الذي يلوح الأمريكيون به دائما كأساس لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات.
لكن ما يجري الآن لتفعيل الساحة العراقية في الحرب على إيران يتطلب وضع مشروع تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات جانبا لأن إقامة دويلة شيعية في العراق ستقوي إيران، وتكون مجرد امتداد لها. أمريكا تريد العراق كله، وليس جزءً منه.
على العكس، فإن التفعيل يقوم على الإمعان في التقسيم ضمن الدولة العراقية، إذ يستدل من الاضطرابات السياسية التي تجري في العراق اليوم أن هناك بوادر لتصنيف الطائفة الشيعية نفسها إلى معسكرين هما “شيعة إيران” و”الشيعة العرب”، وتحميل “شيعة إيران” المسؤولية الكاملة لخراب العراق.
هذا التصنيف ربما يراد منه خلق أرضية لجمع “الشيعة العرب” مع قطاعات من السنة في إطار سياسي غير ديني يستفيد من يأس الشباب العراقي من القادة والزعماء الدينيين، والمرجعيات الدينية – شيء من قبيل حزب وطني أو قومي يحمل سمات من حزب البعث دون أن تكون له طموحات قومية صارخة في معاداة إسرائيل.
وبهذا يتم عزل شيعة إيران، وسحب البساط من تحت أقدام إيران نفسها، وتحميلها مسؤولية الدمار والخراب في العراق، واعتبار حضورها في العراق احتلالا (وصرف النظر عن الاحتلال الأمريكي وجرائم الغزو).
ويمكن من خلال مراجعة بسيطة للسياسات الأمريكية في هذه المنطقة وفي العالم استقراء ما سيحصل، فهذا التحرك ستتبعه جملة من الإجراءات التي ستركز على عناصر في صفوف “شيعة إيران”، منها: وضع بعض الأسماء المعروفة على قائمة الإرهاب، واتهامها بارتكاب جرائم بحق الإنسانية؛ ومنها أيضا تجميد أموال عدد كبير من العراقيين في البنوك الغربية ومساءلتهم عن مصدر أموالهم.
وبطبيعة الحال فإن تشغيل ماكنة الإعلام ضد “إرهابيين” و”لصوص” في نظام ما سيخلق جوا من الحرب يكرر السيناريو الذي اتبع في إسقاط نظام صدام حسين، مثلا.
ودون أدنى شك سيكون لضخ الأموال السعودية والإعلام الخليجي في هذه العملية الأثر الأكبر. والهدف النهائي لكل العملية هو تحويل العراق مجددا إلى البوابة الشرقية التي يجب غلقها أمام النفوذ الإيراني.
ربما تثار أسئلة عن دور إيران الحقيقي في وصول الأمور في العراق إلى هذا السوء، ولماذا لم تضغط طهران حتى الآن على أتباعها في العراق باتجاه القيام بإصلاحات تعزز مكانة النظام في صفوف الشعب العراقي، خاصة أن إيران تدرك، بلا شك، أهمية العراق في ستراتيجية الدفاع عن نفسها، وكذلك أهميته كمدخل إلى بقية العالم العربي والإسلامي؟ لماذا لم تنجح إيران في جعل العراق نموذجا تتقبل مثيله بقية البلدان؟
إيران خُدعت في العراق. فهي أولا لم تقدر مدى الفساد الذي يعصف بالعقليات التي جاءت إلى الحكم مع الاحتلال الأمريكي. لم تفهم إيران الفارق بين قياداتها الدينية التي وصلت إلى الحكم عبر ثورة شعبية أسقطت نظاما تابعا للامبريالية، وبين قيادات دينية في العراق وصلت إلى الحكم عبر التعاون مع الامبريالية في احتلالها للوطن.
لا يمكن مقارنة أي رمز ديني في العراق مع آية الله الخميني رحمه الله، فالخميني كان رجل ثورة خرج من بين المستضعفين، وطرد الأمريكان من إيران، بينما المعممون العراقيون رحبوا بالأمريكان في العراق، وحرموا مقاومتهم، وأعطوا الشرعية لحكم بريمر الأمريكي ومجلس حكمه.
إيران خُدعت لأنها سُحبت إلى تركيز اهتمامها على الجبهات الأخرى البعيدة عنها، وأهمَلت العراق حتى وصل الفساد فيه حدا خرج عن نطاق السيطرة. على ما يبدو فإن إيران اعتبرت العراق ساحة مضمونة فرجالها يحكمون والساحة طوع يديها، وفي مرمى سياساتها.
في نفس الوقت كان الأمريكيون والإسرائيليون والسعوديون يرتبون أمورهم بهدوء وروية عبر تشجيع الفساد في العراق، وإضعاف الموقف الإيراني.
لنأخذ مثلا مسألة محاربة الإرهاب التي يرى الكثيرون أنها ممكنة بشكل فعال لولا تفشي الفساد في العراق. الإرهاب يضرب كل مكان في العراق، لكنه عاجز عن الوصول إلى قلب الوجود الشيعي في العراق، مدينتي كربلاء والنجف. لماذا؟ أليس لأن إيران نفسها تتولى حماية هاتين المدينتين؟
لماذا إذن لا تساهم إيران في حماية بقية مدن العراق من الإرهاب بنفس الفعالية؟ العاصمة، مثلا؟
هل هذه مسألة لها علاقة بـ “شيعة إيران” و”الشيعة العرب”؟ لماذا لا تظهر الأجهزة الأمنية العراقية نفس الفعالية في حماية بقية مدن العراق؟ السبب واضح. لأنها أجهزة فاسدة باعتراف النظام نفسه.
وخذ مثلا آخر، هل إيران غافلة عن أن البنوك الغربية تغض النظر عن تهريب مليارات الدولارات من العراق منذ الاحتلال؟ إنها تعرف أن هذه الأموال مسروقة من الدولة العراقية، وتعرف بالتأكيد أن ظاهرة سرقة أموال الشعب العراقي ستجر عليها هي أيضا عواقب وخيمة.
بالنسبة إلى البنوك الغربية فإن تلك السرقات من قوت الشعب العراقي لها فوائد كثيرة، فهي أولا تنعش الاقتصاد الغربي، وهي ثانيا، تصبح تحت الرقابة الغربية فلا يمكن تحويلها إلى جهات مشبوهة! ولكنها أيضا أداة سياسية ستستخدم غدا لإدانة الأحزاب العراقية التي ينتمي إليها المهربون اللصوص. كيف إذا كان اللصوص محسوبين على “شيعة إيران”؟
ربما لا يكون الوقت قد أصبح متأخرا أمام إيران لتعزيز الجبهة العراقية، وضمانها في وجه الهجمة الأمريكية السعودية الإسرائيلية، رغم أن كسبها بشكل حقيقي يتطلب وقتا كان متاحا لإيران منذ التورط الأمريكي في البلد عام 2003، ولم يعد متوفرا بنفس الدرجة، فثقل الحرب سينتقل الآن من سورية إلى العراق، أي أن حجم ومدى الضغط على إيران في العراق سيتضاعف.
والسيدة رجوي ستعزف قريبا على وتر أن الجمهورية الإسلامية في إيران، وبدلا من تكريس موارد إيران لتحقيق الرفاهية في البلد ـ تمول الحروب هنا وهنا، وترزح تحت عبء مشاكل السياسيين العراقيين الفاسدين الذين سرقوا قوت شعبهم بلا تأنيب ضمير.
واضح تماما أن الساحة العراقية ستشهد تصعيدا سياسيا، وعسكريا، وإرهابيا بشكل غير مسبوق. العراقيون سيصبحون من جديد ضحية السياسات الأمريكية السعودية، وضحية حكام لا يتمتعون بأي أفق سياسي جاد.
لا شك في أن العراقيين يعرفون أن الاحتلال باطل وأن كل ما يبنى على الباطل هو أيضا باطل، وصاروا يدركون أن خلاصهم من الوضع اللا إنساني الذي أوقعهم فيه الاحتلال الأمريكي لن يتحقق بالسير في ركاب السعودية، فالسعودية هي المجرم رقم واحد فيما ارتكب بحق العراق. والسعوديون يسترخصون دماء العراقيين الذين قدموا نصف مليون شهيد من أبنائهم في أكبر عملية غدر تعرضوا لها نتيجة سذاجة صدام حسين وثقته بالسعوديين ودخوله في حرب رعناء ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.
والعراقيون يعرفون أن أي تدخل في الشؤون الداخلية لإيران لن يعود عليهم بالفائدة. الشعب الإيراني يقرر بنفسه إن كان يريد نظام ولاية الفقيه أم نظاما تقيمه السيدة مريم رجوي بدعم سعودي. لا ينبغي للعراقيين أن يكونوا أداة لخطط العدوان على إيران.
لكن هل تدرك إيران أن العراق هو فعلا “عقب آخيل” بالنسبة إليها، وأن الحمى القاتلة ستأتيها من هذه العقب؟ لذلك فإن الضغط على أتباعها في العراق لوقف الفساد، ووقف سرقة أموال الشعب العراقي، ووقف الممارسات ذات الطبيعة القرووسطية المتمثلة بالثأر والانتقام لما مضت عليه قرون سيساهم في تفويت الفرصة على السعودية وحلفائها الإسرائيليين في الاستفادة من الاستقطابات الطائفية في العراق.
2016-07-16

تعليق واحد
تحليل ينفصه درك الحالة الايرانية.ايران عندما هجم عليها صدام كانت في اضعف احوالها من كل النواحي وصدام كان مدعوم من امريكا والاعراب والاتحاد السوفيتي والغرب والشرق ومنظمة مجاهدي خلق كانت في اوج عظمتها وشعبيتها في تلك الايام. ايران الان في وضع اقوى في جميع النواحي وبالاخص العسكريةوعندها حلفاء اقوياء ومنهم عقب اكيل اسرائيل واعني حزب الله. لا العراق ولا افغانستان ولا اي دولة اخرى تشكل عقب اكيل لايران لان ايران تعتمد على الله وعلى نفسها..