البرلمان الأوروبي يسم الحرس الثوري ب”الإرهاب”!
قرار البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة لتصنيف الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية” يضع مستقبل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية أمام المجهول، وينهي عملياً سياسة “الحوار النقدي” التي ميزت الدبلوماسية الأوروبية تجاه طهران لعقود
سعيد محمد*
في خطوة تمثل نقطة تحول حادة في العلاقات الأوروبية-الإيرانية، صوت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة (الخميس) لصالح قرار يصنف الحرس الثوري الإيراني كـ “منظمة إرهابية”، داعياً دول الاتحاد الأوروبي إلى تفعيل هذا التصنيف على الفور. وأتى هذا القرار رداً مباشراً على ما وصفه المشرعون الأوروبيون بـ “حملة قمع وحشية يقودها النظام الإيراني ضد انتفاضة شعبية” اندلعت شرارتها في أواخر ديسمبر الماضي، وخلفت آلاف القتلى والجرحى. وتعتبر طهران أن ما جرى تمرد منسّق بجهود استخباراتية أمريكية وإسرائيلية حاول ركوب موجة سخط شعبي من الأوضاع الاقتصادية الضاغطة في البلاد نتيجة الحصار الغربي المديد للجمهورية الإسلامية.
القرار الذي تبناه البرلمان في جلسته العاصفة بستراسبورغ اتسم بلهجة غير مسبوقة في حدتها، متجاوزاً لغة الإدانة الدبلوماسية المعتادة إلى المطالبة بإجراءات عقابية شاملة. ونص القرار على اعتبار الحرس الثوري، بجميع فروعه العسكرية والأمنية والاقتصادية، كياناً إرهابياً يهدد الأمن والسلم الدوليين.
وأكدت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، في كلمتها التي قوبلت بتصفيق حار من النواب، حظر دخول الدبلوماسيين وممثلي النظام الإيراني إلى مباني البرلمان، مشددة على أن أوروبا “ستغلق أبوابها في وجه من يستخدمون المنابر لتشريع القتل”. وطالب القرار الدول الأعضاء بتجميد شامل لأصول الحرس الثوري، وحظر سفر قادته، وملاحقة المسؤولين عن قمع الاحتجاجات قضائياً في المحاكم الأوروبية.
التحرك الأوروبي جاء على خلفية اضطرابات داخلية عصفت بإيران منذ 28 ديسمبر 2025. بدأت الاحتجاجات كحراك مطلبي في عدة مدن إيرانية تجاه الانهيار الحاد في قيمة العملة الإيرانية – التي فقد نصف قيمتها تقريباً خلال عام 2025 -، ووصول التضخم الرسمي إلى مستويات قياسية، قبل أن تتحول إلى انتفاضة عنفية استهدفت مرافق عامة شملت أكثر من 200 موقع عبر البلاد.
وتشير الإحصائيات الواردة في تقارير وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA)، والتي استند إليها البرلمان الأوروبي، إلى أن حصيلة أعمال العنف حتى 22 يناير/ كانون ثاني الجاري بلغت 4,902 قتيل، بينهم201 من عناصر الأمن، في حين لا تزال ظروف مقتل أكثر من 9,300 شخص قيد التحقيق. في المقابل، أفادت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية بمقتل 3,117 شخصاً، وصفت 2,427 منهم بـ “الشهداء”، متهمة إرهابيين مدعومين من الغرب بإثارة شغب مسلح.
وتوازياً مع قرار البرلمان، كشفت وثائق مسربة من مجلس الاتحاد الأوروبي عن حزمة عقوبات تنفيذية جديدة ستطرح للتصويت النهائي في اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الخميس المقبل (29 يناير/ كانون ثاني الجاري). وتستهدف هذه القائمة السوداء وزير الداخلية الإيراني، إسكندر مؤمني، بصفته المسؤول الأول عن قوات إنفاذ القانون التي يقول الأوروبيون أنها استخدمت الرصاص الحي ضد المتظاهرين.
كما تشمل العقوبات القائد العام الجديد للحرس الثوري، اللواء محمد باكبور، الذي عُين خلفاً للواء حسين سلامي (الذي استشهد في غارة إسرائيلية في يونيو 2025 بحسب التقارير)، بالإضافة إلى قادة إقليميين مثل حيدر أولفاتي وأحمد علي فيض اللهي، المتهمين بإصدار أوامر مباشرة بإطلاق النار على المحتجين في محافظة إيلام ومدينة كرج. وطالت العقوبات أيضاً شركات تكنولوجية مثل “يافتار” و”دوران” لتورطها في تطوير أدوات حجب الإنترنت والتعرف على الوجوه لملاحقة الناشطين، إلى جانب هيئة تنظيم الإعلام المرئي والمسموع.
البرلمان الإيراني أصدر (الأحد) بياناً شديد اللهجة أدان فيه القرار الأوروبي، واصفاً إياه بـ “التدخل السافر والوقح” في الشؤون الداخلية. واعتبر المشرعون الإيرانيون أن أوروبا تحاول “التغطية على فشلها الداخلي” عبر تصدير أزماتها، مؤكدين امتلاكهم “أدلة دامغة” على تورط أجهزة استخبارات أجنبية في إدارة أعمال الشغب.
وشدد البيان الإيراني على أن الحرس الثوري هو “أكبر قوة مكافحة للإرهاب في غرب آسيا”، محذراً الدول الأوروبية من “تبعات قانونية وسياسية مباشرة” لهذا التصنيف.
وتأسس الحرس الثوري عام 1979 بأمر من الإمام الخميني لحماية الثورة التي أطاحت بحكم الشاه، وتحول اليوم إلى ما تقول المصادر الأوروبيّة أنه إمبراطورية عسكرية واقتصادية ضخمة.
ويقول خبراء أن الحرس يتوفر على قوات برية وبحرية وجوية مستقلة عن الجيش النظامي، بالإضافة إلى “فيلق القدس” المسؤول عن العمليات الخارجية، وقوات “الباسيج” شبه العسكرية التي تقدر أعدادها بنحو 90 ألف عنصر نشط ومئات الآلاف من الاحتياط، وتتهمها المصادر الغربيّة بأنها “رأس الحربة” في قمع الاحتجاجات الداخلية. وتشير التقديرات إلى أن الحرس يسيطر بشكل مباشر أو غير مباشر على ما بين 20% إلى 40% من الاقتصاد الإيراني في قطاعات حيوية تشمل النفط، والغاز، والاتصالات، والانشاءات.
وعلى الرغم من أن قرار البرلمان الأوروبي يحمل ثقلاً سياسياً هائلاً، إلا أن التنفيذ القانوني الكامل لتصنيف الحرس “منظمة إرهابية” يتطلب إجماعاً من المجلس الأوروبي (الدول الأعضاء). وتواجه هذه الخطوة عقبات قانونية وسياسية من بعض العواصم التي تخشى إغلاق قنوات الدبلوماسية نهائياً. ومع ذلك، يرى مراقبون أن حجم العنف في الداخل الإيراني والضغط الشعبي للمعارضين الإيرانيين في الشوارع الأوروبية قد يفرضان واقعاً جديداً يجعل التصنيف مسألة وقت لا أكثر.
ويسدل هذا القرار الستار الأخير على حقبة “الانخراط البناء” التي دشنتها أوروبا مع إيران عقب توقيع الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015، مُعلناً دخول العلاقة مرحلة طلاق قد تكون مريرة. فبعد عقد من ادعاء الأوروبيين لعب دور “الوسيط النزيه” وحفاظهم على قنوات الدبلوماسية مفتوحة لإنقاذ الاتفاق من الانهيار عقب الانسحاب الأمريكي عام 2018، تآكلت هذه المقاربة تدريجياً تحت وطأة تسارع البرنامج النووي الإيراني، وتعمق التباعد الجيوسياسي إثر الدعم العسكري الذي قدمته طهران لروسيا في حرب أوكرانيا، ولاحقاً التحاق العواصم الأوروبية الرئيسية الثلاث (لندن، باريس، برلين) بضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على القيادة الإيرانية، وجهود إسرائيل للإطاحة بالنظام الإسلامي.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-01-29